<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>        <rss version="2.0"
             xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
             xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
             xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
             xmlns:admin="http://webns.net/mvcb/"
             xmlns:rdf="http://www.w3.org/1999/02/22-rdf-syntax-ns#"
             xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/">
        <channel>
            <title>
									القرآن والسنة - دار النجاح Forum				            </title>
            <link>https://dar-alnajah.com/community/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/</link>
            <description>دار النجاح Discussion Board</description>
            <language>ar</language>
            <lastBuildDate>Tue, 07 Apr 2026 23:31:44 +0000</lastBuildDate>
            <generator>wpForo</generator>
            <ttl>60</ttl>
							                    <item>
                        <title>تلخيص كتاب &quot;دستور الأخلاق في القرآن&quot; للدراز</title>
                        <link>https://dar-alnajah.com/community/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/%d8%aa%d9%84%d8%ae%d9%8a%d8%b5-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%af%d8%b3%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%84%d8%a7%d9%82-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%84%d9%84/</link>
                        <pubDate>Mon, 17 Nov 2025 01:57:14 +0000</pubDate>
                        <description><![CDATA[تلخيص كتاب &quot;دستور الأخلاق في القرآن&quot;
تأليف د. محمد عبد الله دراز
رسالة دكتوراة باللغة الفرنسية استغرق كتابته ثمان سنوات، ترجمه إلى العربية د. عبد الصبور شاهين، وهو ذو طابع فلسفي تحليلي عمي...]]></description>
                        <content:encoded><![CDATA[<div style="text-align: center"><span style="font-size: 14pt"><strong><span style="color: #ff0000">تلخيص كتاب "دستور الأخلاق في القرآن"</span></strong></span></div>
<div style="text-align: center"><span style="font-size: 14pt"><strong><span style="color: #ff0000">تأليف د. محمد عبد الله دراز</span></strong></span></div>
<p>رسالة دكتوراة باللغة الفرنسية استغرق كتابته ثمان سنوات، ترجمه إلى العربية د. عبد الصبور شاهين، وهو ذو طابع فلسفي تحليلي عميق، يحتاج كاتبه وقارؤه إلى ذهن وقاد وعلوم شتى لإدراك حقائقه ومفاهيمه النظرية والتطبيقية.</p>
<p><strong>1- الكتابات الغربية عن الأخلاق:</strong> متمثلة في الثقافة الوثنية الإغريقية، والأديان اليهودية، والمسيحية، ومن ثم حسب الفكر الأوروبي العصري الحديث، متجاهلة الأخلاق الإسلامية، وما ذكروه عن الأخلاق في الإسلام لا يعدو الترجمة الحرفية لبعض الآيات القرآنية، وأشهر من ألف فيها: المستشرق "جارسان دي تاسي" + ولوفيفر + وسانت هيلير  1865م + وهي إما تلخيص سيئ للآيات أو ترجمة غير صحيحة، وما كتبه المسلمون في هذا الجانب لا يعدو أن يكون كتابة وصفية لا تحليلية، وربما بطريقة أفلاطونية أو أرسطية، على يد "ابن مسكويه" في كتابه "تهذيب الأخلاق" وأبو حامد الغزالي" في كتابه " إحياء علوم القرآن" وإن كان بعضهم تعمق قليلاً دون إحاطة من خلال علماء الكلام، وعلماء الأصول، وبعض الصوفية، وفي المجال العملي كتب الإمام الغزالي كتابه " جواهر القرآن" وحصر نوعي الأخلاق في الجانب المعرفي (763 آية) والثاني السلوكي (741 آية)، ولهذا كانت محاولتنا جديدة في استخراج دستور الأخلاق في القرآن بشكل قواعدي ومترابط وتحليلي فكري يجعل منها نظرية متكاملة الأركان، جديدة في بنائها وتغطيتها للموضوع المطروح.</p>
<p><strong>2- تقسيم ومنهج:</strong> القوانين الأخلاقية في القرآن فرعين هما: (النظرية + والتطبيق)، ولم ينسى القرآن ماضي القيم الأخلاقية لدى من سبق من الرسل والحكماء، بعد أن شذب ما دخل عليها من إفراط أو تفريط، فجعلها شاملة كونية إنسانية في إطار النموذج الخاتم القرآني، ورتبناها بشكل موضوعي، يحقق: لطف في حزم+ وتقدم في ثبات+ وتنوع في وحدة، تجمع بين نقيضين: خضوع في الحرية + ويسر في المجاهدة+ ومبادأة في الاستمرار، وقليل من فهم تلك الحكمة الرفيعة، والبعض يرى إغفال القرآن لقواعد الحكم والشورى والرئاسة والإمارة، ولكن القرآن لا يرى تقييد الناس في تطوير حياتهم وفكرهم العملي خاصة، بعد أن وجه إلى الجانب النظري بإجمال، فسكوت المشرع هنا رحمة بالناس كما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث (رواه الدارقطني).</p>
<p><strong>أما الجانب النظري</strong>: فلا تنطبق عليه قواعد الفكر الفلسفي لأنه يخاطب الكافة، من خلال تعانق ما يتعلق بالقلب والعقل معاً، لأن الطرح القرآني يختلف عن غيره بأنه طرح مؤثر ومقنع ومحلل وممثل (ضرب الأمثال) ومتكامل يوافق الفلسفة والحكمة في أشياء، ويضيف بصمته الإنسانية الخاصة الإلهية، التي تجمع بين العقل والوحي.</p>
<p><strong>3- دراسة مقارنة:</strong> لبعض كتابات العلماء المسلمين السابقين في هذا المجال، وكذلك كتابات مؤلفين غربيين فيها، يجمع بين نظريات هؤلاء وهؤلاء، ليكون البحث أكثر دقة وحيادية مع ما توصلنا إليه في ذلك.</p>
<p>                 باريس 8 يونيو 1947م                                              محمد عبد الله دراز.</p>
<p><strong>الفصل الأول: الإلزام</strong></p>
<p>لا أخلاق من غير إلزام، ومن ثم تنعدم المسؤولية، وتغيب العدالة، وتعم الفوضى، ويفسد النظام، وعندها يصبح الحديث عن الأخلاق في مثل هذه البيئة مجرد سفسطة وترف ثقافي، والجمال الفني والإحساس به لا يلزم الفنان التعبير عنه إلا حين يرغب به بحرية مطلقة دون الشعور بالإلزام، لأن قصور العمل الفني أو نسبيته لا يثير الضمائر، ولا يقيَّم أخلاقياً، بينما الخير الأخلاقي له سلطته على الجميع، وتدفع الفرد إلى الشعور بضرورة تقديره واحترامه مهما كان موقفه منه، ولهذا عبر عنه القرآن (بالأمر – والكتابة – والفريضة).</p>
<p><strong>1- مصادر الالزام الأخلاقي:</strong> عند "هنري برجسون" الفرنسي: الضغط الاجتماعي + الجذب الإنساني الديني، فتصبح عاداتنا كغرائز النحلة أو النملة كفطرة (الوفاء بالواجب)، بقوة الحياة الجماعية، التي هي عند البعض كقهر جماعي، وعند آخرين طموح إلى بلوغ المثل الأعلى نحو الأفضل بحب مبدع، ولقيادة المجتمع لا أنه مقود له، لكن برجسون أغفل العنصر الفردي واستقلالية الفرد في نظريته، حين اعتبر الأمر الأخلاقي غريزة أو عاطفة، مجردة من التفكير الاختياري المقوَّم، لأن القيمة الأخلاقية هنا تصبح نوع من الرهاب الغريزي أو الاجتماعي، بينما القرآن يحذر من الانقياد الجماعي، ومن اتباع الهوى دون تفكير، بينما حقيقة العنصر الأخلاقي الحق يحتاج: عقل+ حرية+ مشروعية، بينما يرى "كانت" الإلزام الأخلاقي ملكة إنسانية مستقلة عن الشهوات والبيئة، وحتى عن الذات الإنسانية، من خلال التسامي في إدراك سمو الواجب، وهذا ما أكده القرآن بأن التكوين الأولي لنفس الإنسان ملهمة للإحساس بالخير والشر، الفضيلة والرذيلة، (فطرة)، وهي قوة باطنة في نفس الإنسان تأمره وتنهاه، لحديث: "إذا أراد الله بعبد خيراً جعل له واعظاً من نفسه يأمره وينهاه" (عن أم سلمة – السيوطي)، وهو مقتضى التكريم الإلهي للإنسان قال تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) لكن اختياراته وحريته تجعله يسمو أو يسفل، قال تعالى: (قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها) سورة الشمس، كما أن اختيار السلوك المناسب عن طريق العقل، أو العاطفة؛ يحتاج مع الفطرة إلى ضبط علوي من خارج الإنسان؛ وهو الوحي فيما يتعلق بالواجبات العامة، وهي واجبات دينية، وما عداها فيه سعة للمقاربة والنسقية، لأن السلطة العليا في تقدير وتحديد المسموح والممنوع (الحلال والحرام) أو (الواجب والمباح) هي المشروعية الإلهية، لأنها لو أسندت إلى العقل أو العاطفة أو المجتمع أو حتى الفرد نفسه، فإن الخطأ متوقع في هذه الأدوات بخلاف الخطأ التشريعي من خالق الإنسان، قال تعالى: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) (سورة الملك) فنور الوحي يكمل ويهدي نور العقل، وهو ما اصطلح عليه علماؤنا بالجمع بين هداية (العقل + والنقل)، وبهذا يكون الإلزام الأخلاقي قانون إيجابي، تحدده مصادر تشريعية: (القرآن + والسنة + والإجماع + والقياس ) أي كلمة الله، وكلمة الرسول، وكلمة الأمة، وكلمة العقل، وهذا كله يشكل سلطة تشريعية واحدة، بوسائل متعددة، وكل هذه المصادر ترجع في النهاية والابتداء إلى كلمة الله العليا وسلطته المتفردة، لأن هذه المصادر محكومة بإرادة الله وتوجيهه، وجميع أحكام هذه المصادر ترجع إلى المصدر الأول وهو كلام الله وحكمه وإرادته، فهو المشرع وحده على العموم، ولا ننسى أن أغلب الأحكام الشرعية قرنت بمسوغاتها الأخلاقية، (الصلح خير، والقسطاط المستقيم، والحياء أزكى، وكتابة الدَّين أقسَط عند الله)، وكل هذا وأمثاله يجعل الأمر أو الحكم مقبولاً لدينا ومقنعاً.</p>
<p><strong>2- خصائص التكليف الأخلاقي</strong>: أن يكون قاعدة عامة وثابتة تحكم جميع الأفراد في مختلف الظروف، وقانون الواجب ذو طابع فردي وشامل وهو في القرآن يشمل الإنسانية جمعاء، مثال قانون العدالة، والفضيلة، لكل الناس الأقرباء والبعداء، الأصدقاء والأعداء على حد سواء، وتساوي الجميع أمام الشريعة، ولو عارض مصالحنا الشخصية والذاتية، ويعارض القرآن التعلل بالظروف للتملص من الواجب، إلا في حالات الضرورة القاهرة المادية أو المنطقية، ومع ذلك فالقانون الأخلاقي يكلفنا لنختاره بحريتنا دون أن يكرهنا مادياً، لقوله تعالى: (لا إكراه في الدين...) و ( وما على الرسول إلا البلاغ المبين) ولهذا فسلطان الواجب لا يقهر الجوارح ولا يكره المدارك، ولكنه يفرض نفسه على الضمير، قد تختلف الاشتراطات بين شريعة الأخلاق وشريعة الفطرة، لكن تبقى شريعة الأخلاق ثابتة ومتميزة عن شريعة الفطرة بسبب ديمومتها وعموميتها، وهذا ما نلحظه كما قال "كانت" في أن فن الحياة لا يتطلب نشاطنا بشكل جاد، إلا بناء على هدف محبب، لأن القانون الأخلاقي يفرض النشاط لذاته، بموجب قيمته الذاتية، التي تستدعي ما يسمى (إلزاماً) بالمعنى الحقيقي الغائي، الذي لا ينطبق على الوسائل لبلوغ هذه الغاية، إلا على سبيل الاختيار، وعلى رغم شرعية الواجب المادية، فإن ملاحظة روحية العمل بالأخلاق مطلوبة، وأكثر ما يبين هذه النقطة ما يتعلق بإخلاص النية فيه، لئلا يتحول إلى عمل دنيوي جاف، والقرآن ينظر إلى شروط وجوب العمل الأخلاقي بثلاثة أمور:</p>
<p><strong>أ- إمكان العمل: </strong>هو الذي يجعل العمل الأخلاقي والشرعي واجباً، وإلا يكون أمراً بالمستحيل، والله تنزه عن أن يأمرنا بما لا نطيق، قال تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) (البقرة 286)، وإن اختلف العلماء والمتكلمون معتزلة وأشاعرة في إمكانية أمرنا وإلزامنا بما لا نطيق، لأنه يفعل ما يريد، لا حاكم عليه ولا تثريب، لكن بعضهم نزهه عن ذلك، بحكم حكمته ورحمته، لكن الأشاعرة نزهت الله عن المقاصد والغايات، ولهذا قالوا: " الله لا يفعل شيئاً لأجل شيء، ولا بشيء".</p>
<p><strong>ب – اليسر العملي:</strong> قال تعالى: (يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر) (البقرة 185)، وهذا لم يكن يشمل الشرائع السابقة، لقوله: (ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا) (البقرة 286)، وهذا قد يتناقض مع قاعدة أن الله رحيم بعباده، فيكون الإصر والعسر والشدة نوعاً من العقاب على عصيان من عصى من الأمم السابقة، لقوله: (ذلك جزيناهم ببغيهم) (الأنعام 142)، ولهذا نهى القرآن عن التشدد والغلو حتى في العبادة، (فاقرؤا ما تيسر منه) (المزمل 20)، ولحديث: " إن المنبت لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى" (فيض القدير/ ضعيف)، ولهذا خففت بعض الأحكام في بعض الظروف، وربما ألغيت من التكليف، في الجهاد وفي الحج وفي السفر وفي المرض، أو أجلته أو استبدلت به ما يمكن فعله، (بديل)، كالفدية والتيمم، ومثل ذلك في التدرج بالتحريم والأحكام، في مرحلتي المكي (الإعداد) والمدني ( التطبيق)، وقولة عمر بن عبد العزيز لولده: "إني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة، فيدفعوه جملة".</p>
<p><strong>ج – تحديد الواجبات وتدرجها:</strong> في القرآن مشروط لها بأنها قابلة للخضوع لإرادة الإنسان (ميسر عليه) أولاً، وأنه ميسور في الحياة الواقعية يمكن ممارسته، وهذا الخير الأخلاقي: له سلماً في الإيجابية أو السلبية، ومتنوع ووفير، منها واجبات أولية لدى كل الناس، ومنها ما هو متفاوت في الوجوب والالتزام بها من عدمه، حسب عزائم النفوس وكينونتها السامية والمتدنية، بينما يرى "كانت" أن الواجبات منها جوهري ومنها عارض، ومنها للكمال الشخصي، ونها لسعادة الغير، ويصف بعضاً من الواجبات بالصارمة، المنصبة على المحرمات، ويرى الكمال الحقيقي هو النية الأخلاقية لفعل الواجب لأنه واجب، والكائن الإنساني تركيبة من العلاقات المتنوعة الاجتماعية والإلهية، النامية بالتربية المتوازنة المتكاملة، وهذا هو مفهوم الواجب الإسلامي: "فأعط كل ذي حق حقه" (صحيح البخاري)، فالواجب فرع عن القيم، وفكرة الخير تتضمن قيمتين مختلفتين: " الحد الإلزامي، والإضافة المثابة (التطوعية)، فشمولية ما نعتبره قانوناً (واجباً ملزماً) يتطلب التجانس والعموم، وهذا ما نلحظه في مفهوم " الإيمان" وما عداه يشمل الخير الإلزامي، والخير المرغوب فيه، ولهذا ذكَّر القرآن بالنوعين من الخير، الخير المطلق، والآخر النسبي، وهو ما يستوعبه مفهوم الفرض، ومفهوم الإحسان، مفهوم الحق، ومفهوم العفو والتسامح، ولهذا يجعل القرآن بين القيمة ونقيضها قنطرة ثالثة، وهذا في مفاهيم: الفرض، والمحرم، والمباح، وحتى المحرم فهو درجات (كبائر، وصغائر، ولمم) وفي المباح: المسموح به، والمتغاضى عنه،  وهذا ما أدركه المفكر الألماني "جوتيه" في القيم الإسلامية وتنوعها المذهل، الذي يتيح مراعاة الظروف المحضة دون الإخلال بالصرامة القانونية للأخلاق الواجبة، وهذا من المرونة التي تتميز بها الشريعة الإسلامية خاصة، للتكيف مع الوقائع والظروف القاهرة، كإباحة الممنوع للضرورة (أكل الميتة)، (والتيمم)، (وإفطار المسافر) مما يجعل الأخلاق والقيم الإسلامية عقلانية.</p>
<p><strong>3- تناقضات الإلزام:</strong></p>
<p><strong>أ- وحدة وتنوع:</strong> إذا كان القانون الأخلاقي علم، فينبغي أن تكون قواعده ثابتة وعصية على التنوع، ولكن الحياة الواقعية الإنسانية ليست بهذا الثبات المجرد فنحن مع القيم الأخلاقية بين وحدة قوانينها، وبين احترام تنوع الطبيعة الإنسانية وظروف الواقع، وصعوبتها التردد بين الجوهر والواقع.</p>
<p><strong>ب - سلطة وحرية:</strong> وتلك صعوبة التوفيق بين علاقة الإلزام وإرادته لدى الفرد وهو يتمتع بحريته، وبين سلطة</p>
<p>المشرع الآمر بالقيم والأخلاق، وهنا تحضر نظريتان الأولى "لكانت" بأن الواجب ما يمكن صياغته بشكل قانون عام، بحيث يقبله العقل ولا يناقضه، فالفعل عنده هو إما أخلاقي أو غير أخلاقي، من حيث:</p>
<p>1- قابليته ليكون قاعدة عامة صالحة للتطبيق على جميع الأفراد، مع استبعاد الأنانية من خلال الضمير في التملص من تطبيقها، ولو على مستوى القناعة الداخلية وليس السلوكية.</p>
<p>2- وأن تكون قاعدية القانون الأخلاقي عمومية مطلقة، وحكمها جازم، وصادرة عن العقل المحض، الذي يحكم بقانونية القيمة الأخلاقية لكل الناس.</p>
<p>3- وأن نجد تطبيقات هذا القانون في الطبيعة الإنسانية، ونسبر غور هذه المسألة في ثلاث مراحل:</p>
<p><strong>المرحلة الأولى:</strong> أن نعطي الفرد سلطة هذه الأحكام، فيختلط الإلزام، بالمباح، والجائز، ومن ذلك أن يكون دافع الواجب عقلي، أو مصلحي، وهذا يتناقض مع العمومية المطلوبة في القانون، لأن عموميته مشكوك فيها بهذه الصورة.</p>
<p><strong>المرحلة الثانية:</strong> يعتبر "كانت" القيمة الأخلاقية يشترط فيها أن تكون واقعاً مسلماً للعقل المحض، وحينها تعتبر قانوناً عاماً، وليست كل القيم قابلة لأن تكون قانوناً عاماً، لكن ما يراه "كانت" وغيره في مطابقة القانون الأخلاقي، العقل المحض، يراه اللاهوتيون مطابقته للعقل الإلهي (الأوامر الإلهية).</p>
<p><strong>المرحلة الثالثة:</strong> التفريق بين درجات العمومية في الواجبات المتنوعة: أبوية، وأسرية، وزوجية، ووطنية، وعقلية،...الخ، لكن إذا تعدى الواجب حدوده يتوقف وجوبه، ولهذا فوجوب الواجبات نسبية، بين حقوق العقل وحقوق الجسد، لكن القيمة الأخلاقية للواجبات المختلفة، يحكم عليها على الطبيعة، وبحسب الواقع والظروف، وليس بشكل مستقل مجرد، ويساعدنا على التقييم ظروف الواقع وحاستنا السادسة، وعند تجاوز سلطة العقل الخالص عند "كانت" نجد النقيض عند "جيو – ونيتشه – وروه" حيث اعتبرا القيمة الأخلاقية إبداع إنساني، لتساميه على ذاته، وأن الأخلاق صناعة فردية لصاحبها، كما هو فن العلاج الدوائي، يخضع لمزاج المريض، فكذلك رجل الأخلاق يخضع لتأثير الواقع وأثر الزمان والمكان فيه، مع أن المثل الأعلى الثابت، هو التعريف نفسه للقانون الأخلاقي، الذي تحكمه البرهنة أو الإيمان، بينما التجربة وهي مرجعية الأخلاق، تؤكد لنا تناقض المصطلحات والتطبيقات.</p>
<p>بينما نجد القرآن يشير علينا في التكليف بالأخلاق؛ بأن ندور حول التوفيق أو المقاربة بين المثل الأعلى والواقع، وبين المطلق والنسبي، وهذا يؤكد ثبات القانون الأزلي للقيمة، وجدة الإبداع الفني في الالتزام بها قدر المستطاع، كما ذكر القرآن الكريم في قوله: (فاتقوا الله ما استطعتم) (التغابن 16)، فيجمع لنا الخضوع للقانون، وحرية الذات، من خلال توجيه الضمير المستنير بالتربية الفطرية، ومعرفته بالمحددات الشرعية، ووصايا رسول الله وتوجيهاته لنا في أحاديث كثيرة، بالابتعاد عن الشبهات، والصدق في التوجه، وخوف الله والخشية من الإثم والعصيان، ولهذا كانت أكمل الأخلاق هي الأخلاق الدينية الإسلامية الواضحة في القرآن.</p>
<p><strong>الفصل الثاني: المسؤولية</strong></p>
<p>تستلزم فكرة الالتزام؛ فكرة المسؤولية، وفكرة الجزاء، فالإلزام من غير مسؤولية لا قيمة له، وكذلك يتبعهما الجزاء المناسب، والمسؤولية نوع من الإلزام، ولو كانت مسؤولية الإنسان تجاه نفسه.</p>
<p><strong>1- تحليل الفكرة العامة للمسؤولية:</strong> وهي استعداد فطري بأن يلزم المرء نفسه، والوفاء بالتزاماته، ولا مسؤولية عن ثبات قانون الطبيعة، لكن النظام الأخلاقي مختلف من حيث اختيارات الإنسان قيمة توافق هواه، احتراماً أو اختراماً، وهي تختلف بين شخص وآخر حسب مهنته وموقعه ووظيفته، وحسب قدرته واستطاعته، فالمسؤولية تبدأ من داخلنا، ثم أمام من يأمرنا، ثم أمام الخالق سبحانه، والمسؤولية حسب المحاسب عنها، فردية، واجتماعية، وربانية، وهذه الثلاث يقررها الشرع الحنيف، ويحكم بها الكتاب والسنة، "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".</p>
<p><strong>2- شروط المسؤولية الأخلاقية والدينية:</strong></p>
<p><strong>أ- الطابع الشخصي للمسؤولية</strong>: الأخلاقية والدينية، وهذا ما أكدته الآيات القرآنية، قال تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها) (الإسراء 15)، وبهذا أبطل القرآن مقولة تحمل الأبناء الخطيئة الأولى لأبيهم آدم، ف (ولا تزر وازرة وزر أخرى) (الإسراء/15)، فالمسؤولية الفردية باقية في عنق الإنسان، لا يحملها عنه أحد، ويستثنى من ذلك ويضاف تحمل مثل وزر من ضل بالتسبب، دون إعفاء الفاسد من وزر عمله واستجابته للمفسدين، وهذا ما بينه رسول الله في قوله: "من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده..." (ر. مسلم)، لكن المسؤولية الفردية لا تعني أن تنحصر في ذاتها، دون مسؤولية اجتماعية ومجتمعية عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو نشر الفساد أو الخير للآخرين والمجتمع، دون أن ينقص أو يحرم المتسبب جزاء عمله المقتدى به، فتندمج هنا المسؤولية الفردية والمسؤولية الجماعية معاً، ومن ذلك حديث: " إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث.." ولا ينقض المسؤولية الفردية مبدأ الشفاعة في الإسلام، لأنها فضل من الله ومنة، وهي مشروطة بإذن الله ورضاه، لقوله: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) (الأنبياء/28).</p>
<p><strong>ب – الأساس القانوني:</strong> للمسؤولية، الإعلام بالقانون ونشره داخلياً بالمبادئ العقلية الفطرية، وهو موجود لدى كل إنسان، (التكليف الفطري) بمقتضى العقل، عند المعتزلة، وبمقتضى الرسالة عند أهل السنة، لقوله: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) (الإسراء/ 15)، وما يتعلق بالصغار والأبناء، فإن مسؤولية الآباء تجاههم بتربيتهم على الأخلاق والشريعة، وأن يصل المعرفة بالقانون إلى الجميع في بيئته وداره، وإلا فلا مسؤولية دون ذلك.</p>
<p><strong>ج – العنصر الجوهري في العمل:</strong> أن يكون إرادياً، بينما العمل اللاإرادي لا تشمله المسؤولية، وكذلك أن يكون مقصوداً، لأن الخطأ لا يكون مقصوداً، وأن يكون العمل منصوصاً على استحقاقه الجزاء، وانعقدت عليه النية، لأن العمد نوعان، عمد بشبهة وتأويل، وعمد من غير شبهة، ويمكن التفريق بين العمل بحسن نية، وعمل بسوء نية، وأخطأ "كانت" حين قال: " إن الشيء الوحيد في العالم الذي هو خير في ذاته، هو الإرادة الطيبة" ؟. وهذا يتعارض وينقص شرطان من عناصر الضمير الأخلاقي، وهما: المعرفة – والعمل – بالإضافة إلى الإرادة.</p>
<p><strong>د – الحرية:</strong> وهي شرط رابع في المسؤولية، لإن الإكراه يمنع المسؤولية، والحرية هي حرية القرار، والبعض نفى الحرية المطلقة لسلوك الإنسان لأنها تبع لأفكاره وعواطفه، والرد على هذا النفي؛ بأن الذي استطاع ترويض الوحوش، يستطيع ترويض نفسه بالتربية والمراجعة والتفكير، وأكد القرآن هذا المعنى بقوله: (ونفس ...قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها) (الشمس/7)، ولأن لكل عمل دوافعه، الخيرة أو الشريرة، وهو ما نسميه علة الفعل، وحريتنا التي هي شرط مسؤوليتنا أن تكون "طبيعة فاعلة – لا – طبيعة منفعلة" كما قال "سبينوزا" ، لأن الحرية والإرادة السوية هي التي تمتلك مسافة بين فعل الطبيعة والأفكار، ورد فعلنا الإرادي عليه، لأننا حينها نمتلك مكبح أن نفعل أو لا نفعل، نقدم أو نتوقف أو نتراجع، وهذا ما يمكننا من الاختيار الأنسب، وتفعيل العقل والحكمة، "ويسبق الإرادة الرغبة، وبينهما المسافة التي تفصل الدعوة عن الاستجابة".</p>
<p>وبالنهاية فإن ذاتنا غير المنقسمة هي التي تتركز في القرار النهائي، الذي تتناوله الإرادة لتحوله إلى أمر للجوارح فتنفذه، ويختلف الناس في ميولهم لفعل الخير أو الشر.</p>
<p>موقف القرآن في مواجهة الحتمية الأخلاقية؟</p>
<p>1- غيبية أفعالنا المستقبلية: (وما تدري نفس ماذا تكسب غداً) (لقمان 34).</p>
<p>2- قدرة الإنسان على تحسين أو إفساد كيانه الجواني: (قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها) (الشمس/9).</p>
<p>3- عجز المثيرات عن إكراهنا والسيطرة على قراراتنا ما لم نختارها ونستجيب لها بحريتنا ولو كانت من الشيطان. قال تعالى: (وما كان لي عليكم من سلطان) (إبراهيم/22)، و (لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر) (المدثر/37).</p>
<p>4- إدانة القرآن للاستجابة للهوى والتقليد الأعمى، (واتبع هواه) واتباع الآباء.</p>
<p>ولهذا كان الإكراه والاضطرار يعفي من المسؤولية، عن التلفظ بالكفر، وأكل المحرم من الجوع، إلا ما يتعلق بالإكراه على قتل وإيذاء الغير، فهو غير معفى من المسؤولية، وهذا يعني بذل الرخيص من أجل الغالي والأهم واجب، وهو هنا رخصة، ومع ذلك فإن اختيار الإنسان قراراته لفعل الخير أو الشر، يسبقه توفيق الله تعالى في الهداية، وتيسيره للشرير في الغواية، دون أن يعفي أحدهما من تحمل مسؤوليته عن هذا الفعل أو ذاك، لأنه ملكه حرية الاختيار، بمشيئته وخالقيته المطلقة، دون أن يكون في اختيارنا هذا أو ذاك، استقلالية مطلقة، لأن الإنسان عبد لله في النهاية والابتداء، ولهذا كانت الآيات الأولى في القرآن دعاؤنا: (إياك نعبد، وإياك نستعين، إهدنا الصراط المستقيم).   </p>
<p>نظرية أهل السنة في توصيف إرادة الإنسان، أنها تبع لإرادة الله، لكن هذا ليس محاباة، بمقدار ما هو علم الله القدري بمن يستحق هذه التبعية فيثبت ويعان على الالتزام والخير، وآخر في علمه أنه لا يستحق هذا فيترك لشيطانه ليضله، فالأول فضل من الله، لاستعداده واستحقاقه هذا الفضل، وآخرون صموا آذانهم عن الحق، وأغلقوا أعينهم عن النور، فهم لا يستحقون ذلك، قال تعالى: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين) (الزخرف 36)، وهذا لا يعني أن الله يسلبهم حق الهداية بأنفسهم، أو يكرههم على المعصية لفسادهم، وإنما هو التيسير والتوفيق، حسب الاستحقاق، وفي البداية والنهاية فإن قراراتنا وأفعالنا الإرادية من اختيارنا، ولهذا مسؤوليتنا عنها وعن نتائجها مقتضى حريتنا في هذا الاختيار.</p>
<p><strong>3- الجانب الاجتماعي للمسؤولية:</strong> كان موجوداً عند الأمم السابقة: بني إسرائيل – واليونان – والرومان، ففي التوراة: الثور القاتل يرجم، ولا يؤكل لحمه، حتى لو اعترف مالكه بمسؤوليته وعوقب بالموت، وعند أفلاطون: " لو أن حيواناً يقتل إنساناً فإنه يقتل، وكذلك الجماد يرمى خارج الحدود" وطبق هذا في فرنسا المسيحية، في القرن 13م وغيرها من دول أوروبا حتى القرن 19م، وعند الرومان مسؤولية الأطفال وحتى المجانين مخففة، وقد تلغى، ونجد في كثير من المجتمعات والشعوب القديمة معاملة القاتل خطأ من غير قصد ولا عمد، تخفيفاً في العقوبة وهي النفي مثلاً، بينما نجد إغفال الباحثين الغربيين ما هو مقرر في الإسلام، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " رفع القلم عن ثلاثة: ...وعن الصبي حتى يكبر" وهذا يؤكد ارتباط المسؤولية العقابية بالمسؤولية الأخلاقية، وكلاهما يشترطان الإرادة والوعي، وبالنسبة للتائب عن ذنبه، إذا كانت إساءته لآخرين تضرروا بذلك فإنه لا يعفى من العقاب، إلا في حالة واحدة في الشريعة وهي العفو عن المتمردين الذين تابوا وأنابوا قبل القبض عليهم، كمكافأة لتوبتهم واستدراجاً لهم لوقف عدوانهم على المجتمع والناس، واختلف الفقهاء في نوع هذا العفو وشروطه وحدوده.</p>
<p>أما ما تشمله المسؤولية الاجتماعية عن أفراد المجتمع المحتاجين، فهو مسؤولية تكافلية، (للغارمين – والمساكين – وابن السبيل – والفقراء – واليتامى –  م. ن، فهي مسؤولية أخلاقية، ينتج عنها مسؤولية مدنية مالية ومعنوية، لتحقيق التضامن الاجتماعي، وهو واجب حسب الاستطاعة والقرب من المحتاج.</p>
<p><strong>الفصل الثالث: الجزاء</strong></p>
<p>العلاقة بين الإنسان والقانون تمر عبر ثلاثة محاور: أولها الإلزام والالتزام، وثانيها المسؤولية، وثالثها التقييم</p>
<p>والجزاء، وهو ثلاثة أنواع: الجزاء الأخلاقي، والقانوني، والإلهي.</p>
<p><strong>1): الجزاء الأخلاقي:</strong> متضمن في حيثياته وباطن القيم الأخلاقية ذاتها، وما ندم الضمير ورضاه إلا نتائج طبيعية عن القانون الأخلاقي نفسه، ولكن لا يعني هذا تساوي الناس تجاه هذا الشعور بدرجة واحدة، خاصة في أحوال تبلد الإحساس وموت الضمير، وهذا لا يعني أنها جزاء حتمي بهذه الصورة، كونه مجرد رد شعوري تجاه الضمير وتردده بين شعورين مختلفين رضا أو عدم رضا، شعور بلذة أو ندم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا ساءتك سيئتك، وسرتك حسنتك، فأنت مؤمن" (أحمد)، وحديث" " المؤمن يرى ذنبه فوقه كالجبل يخاف أن يقع عليه، والمنافق يرى ذنبه كذبابة مر على أنفه فأطاره" (الترمذي)، والندم تمهيد للتوبة، التي هي جزاء إصلاحي للتغيير، وهي مرحلة إصلاحية لما أفسدناه، إذا طبقناها بشروطها المعروفة، وهناك تفريق بين حق الله وحق العباد في التوبة، لاستعادة تقدير والتزام الشرع الذي هو كسلم درجاته على الأرض، ومن تسلقه رفع إلى السماء، فالفضيلة ترفعنا، والرذيلة تهبط بنا.</p>
<p><strong>محاسن الفضيلة:</strong></p>
<p><strong><u>الصلاة:</u></strong> تنهى عن الفحشاء والمنكر، وترقى بنا لما هو أعظم وأكبر، لتحقيق جميع الكمالات، وهما فائدتين، <strong><u>والصدقة:</u></strong> تطهر النفس من الشح، وتزكي النفس لأعلى، فهي فائدتين: طمس سلبية، وتنمية إيجابية، <strong><u>والصوم:</u></strong> إيقاف الشره، والارتقاء بالتقوى، وهما فائدتين كذلك، <strong><u>تحقيق الكرامة:</u></strong> وهي نفي الجبن والخور بالشجاعة، والحكمة في التعامل، وهما فائدتين كذلك.</p>
<p><strong>قبح الرذيلة:</strong></p>
<p><strong>1- السُّكرُ:</strong> خمراً وميسراً يزرعان البغض والعداوة، ويمنعان من ذكر الله.</p>
<p><strong>2- الكذب:</strong> وهو أم الرذائل، والصدق أبو الفضائل.</p>
<p><strong>3- السلوك:</strong> السوي يساعد القدرات العقلية على التوازن، وغير السوي يشوه الحقائق ويضطرب بالفكر.</p>
<p><strong>4- النفس بأكملها:</strong> إما أن نزكيها بالفلاح، أو ندسيها بالفساد، والجزاء منهما والثواب: حسنات أو سيئات.</p>
<p><strong>2): الجزاء القانوني:</strong> يلمسه الفرد من استقرار المجتمع، وأمن نفسه وماله وعرضه، لكن يبقى هناك من لا يلتزم به ويخرمه، فشرع الإسلام عقوبات: الأولى: هي الحدود: وهي محددة بدقة، وأخرى: تعزيرات: وهي متروكة لتقدير القاضي، والحدود تعالج عدداً من المخالفات الكبيرة، وهي محدودة العدد، محدودة الكيفية، لازمة التنفيذ إذا وصلت إلى السلطات، لكن المجتمعات الإسلامية المعاصرة تأثرت بمشاعر وثقافة الأمم الأوربية في التحرج من تطبيق العقوبات المؤلمة، كالرجم والجلد والقصاص، فأوقفت هذه العقوبات، التي أكد القرآن على أهمية الالتزام بتطبيقها، لمصلحة المجتمع بأسره، لكن المؤكد أن شدة العقوبة تقلل فعلها، وتخفيفها يزيد في انتشارها، مع ملاحظة التشدد في شروط تطبيق العقوبة، لقوله: "تدرأ الحدود بالشبات" مع أن منهجية التوجيه القرآني تدفع باتجاه الستر، وعدم التجسس، وعدم الإصرار على الاعتراف، لأن غايته حفظ أمن وأمان وطهارة المجتمع، ووجه إلى التوبة وشجع عليها، ونكاد أن نلمس أن العقوبة تنزل على المعلن والمتحدي وناشر الفساد.</p>
<p>والفرق كبير بين من يذنب وينشر معصيته بالإعلان عنها، وبين من يذنب ويتوب منها ويطلب إنزال العقاب عليه ليتطهر من رجس عذاب الضمير.</p>
<p>والعقوبات الشديدة لا تتجاوز نوعين شديدي الخطورة على المجتمع وهما (القتلة والزناة – والسرقة وقطاع الطرق) وما عداهما فإن القاضي يختار ما يناسب نوع الجريمة والأسباب المخففة لها، وقد تكون العقوبة مجرد توبيخ أو نصح.</p>
<p><strong>3): نظام التوجيه القرآني، ومكان الجزاء الإلهي:</strong>   </p>
<p> يُتَّهَم الإسلام بأنه وعد المحرومين والصحراويين بجنان وثمار في الجنة، فأغراهم هذا بالانصياع لشريعته، لكن بالرجوع إلى الكتب السماوية السابقة والعهد القديم نجد أن ما ترغب به هذه الكتب هو ثمار الأرض وبركتها وغلالها، والانتصار على الأعداء، وهذه الإغراءات من لدن آدم إلى عهد موسى عليه السلام، ليس فيها وعد بجزاء أخروي أو ذكر للجنة، بينما نجد العهد المسيحي يركز باتجاه الجزاء الأخروي في أغلب وصاياه، بعكس العهود السابقة، كأنه يتجه باتجاه ما سيجيء في الإسلام من توازن بين الجزاء الدنيوي والأخروي معاً، ويمكننا أن نلحظ المسوغات القرآنية بثلاث مسوغات:</p>
<p><strong>أ- المسوغات الباطنة:</strong> تعليلية تربط بين التكليف وقيمة أخلاقية، العدل والظلم، الحق والباطل، والطهارة والدنس، ويصف الالتزام والطاعة بأنها النور – والصراط – والثبات – والحكم الفصل – والفطرة – والوضوح – والحكمة – وزكاة النفس – والتفقه – والعلم والتعلم – والتنافس في الخير – والاحتشام – والإحسان – والوفاء – والكرم – حب الله – والطمأنينة – والإيمان....الخ.</p>
<p>وبعكس ما سبق نجد مسوغات سلبية في النهي عن آثام تؤدي إلى: القتل – البغاء – الكذب – الهوى – الطمع – الخيلاء – الخلاعة والتعري – الإساءة – الضرر – قهر اليتيم – المن – الغيبة – النميمة – ضعف الإيمان – الضلال – الغفلة – الظلم – العمى – الجهل – السفاهة – الفحشاء – المنكر – الفسق – الشك – الكبر....الخ.</p>
<p><strong>ب – اعتبارات الظروف وموقف الإنسان:</strong> حين تكون تشكيلة أخلاقه وسلوكه بضغط المجتمع، فإنه حين يخلو بنفسه، لا يبالي بما يفعل من هذه الناحية، لكن في الإسلام لا وجود دون مراقبة وحضور من الملائكة، عن اليمين والشمال، ورقابة الله في السر والعلن هي الأساس المانع من الفساد والعصيان، ويمكن ملاحظة المواقف التالية في هذا الجانب:</p>
<p>أولاً- موقف التقبل والتجاوب مع النظام والوصايا: فيدفعه الحب والشعور بالرقابة الإلهية للالتزام.</p>
<p>ثانياً - موقف التجاوب لأحكام الشرع وأداء الواجبات بخليط من الاحترام والاحتشام.</p>
<p>ثالثاً – العمل مع الخلط بين الصواب والخطأ، الطاعة والمعصية، مع الندم أحياناً.</p>
<p>رابعاً – العمل بالمجاهرة بالمعصية والوقوف ضد الشرع والشريعة، والكفر علناً، وهنا يبرز تأثير استخدام الوعيد والتهديد إذا كان له من تأثير أو إبراء الذمة بالدعوة والنصح.</p>
<p><strong>ج – اعتبارات النتائج المترتبة على العمل:</strong> نصوصها قليلة في القرآن فيما يتعلق بالخير الفردي، حوالي خمس نصوص، (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) (النساء/ 5)، (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) (المائدة/101)، (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن ...ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) الأحزاب/59)، (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك، ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً) (الإسراء/29)، ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) (فصلت/34) (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر) ( المائدة/91).</p>
<p>أما الآيات المتعلقة بالجماعة وأثر الطاعة أو المعصية عليها كثيرة منها: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) (الأنفال/ 46)، وقد ذكر ابن عباس أثر الطاعة بقوله: "إن للحسنة لنوراً في القلب، وضياء في الوجه، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة لسواداً في الوجه، وظلمة في القلب، ووهنا في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضاً في قلوب الخلق" (ابن تيمية/ منهاج السنة).</p>
<p><strong>النتائج غير الطبيعية (أو الجزاء الإلهي):</strong> ليس صحيحاً ما ذكره "فيكتور كوزان" و "تيودور جوفروي" من أن الأعمال جزاءها متضمن في نتائجها، في الطبيعة والحياة الدنيوية، بينما نجد هذا صحيحاً إذا ضممنا إلى الحياة الدنيا الحياة الأخروية، (وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون) (الزخرف/72).</p>
<p><strong>4- الجزاء الإلهي:</strong> في التوراة منحصرة في عالم الدنيا، وفي الإنجيل منحصرة في السماء، بينما القرآن يجمع بينهما.</p>
<p><strong>أ – الجزاء الإلهي في العاجلة: </strong>ذو طابع عقلي أو روحي، في الغالب، بينما الجزاء المادي قليل:</p>
<p><strong>1- الجانب المادي:</strong> (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب) (الطلاق/2) و (قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان) (النحل/112)، و (فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون)، و (أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر...) و (أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون) (النحل/45).</p>
<p><strong>ب – عنصر يتصل بتأييد جماعة المؤمنين: </strong>(إن الله يدافع عن الذين آمنوا) (الحج/38)، و (ليستخلفنهم في الأرض) (النور/55).</p>
<p><strong>ج – الجانب العقلي والأخلاقي: </strong>هداية المؤمنين، والمجاهدين في الله، ويصلح أحوالهم وينير طريقهم، والطمأنينة، والسكينة، وعكس ذلك للكافرين.</p>
<p>د - <strong>الجانب</strong> <strong>الروحي</strong>: هو علاقة رضا الله عن أفعالنا أو سخطه علينا بسببها، كما في قوله: (إن الله يحب المحسنين – يحب الصابرين – يحب المتوكلين – يحب المتقين – وفي المقابل: لا يحب المعتدين – ولا يحب الظالمين – ولا يحب المسرفين – ولا يحب الخائنين – ولا يحب الكافرين....الخ.</p>
<p><strong>قصور الجزاء العاجل:</strong> لأن الله لا يستوفي لنا نعيم الدنيا على إحساننا، فيدخره لنا في الآخرة، لقوله: (وإنما توفون أجوركم يوم القيامة) آل عمران/165).</p>
<p><strong>ب): الجزاء الإلهي في الحياة الأخرى: </strong>المقام الأبدي في الجنة أو النار، وقوله: (لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة) (البقرة/97)، الوعد الحسن – الفوز – الفضل الكبير – شكرهم على استقامتهم – لهم أجر غير ممنون – وآيات كثيرة تذكر هذه الثوابات بالإجمال.</p>
<p><strong>ج – الجنة: </strong>في القرآن التفصيل المعنوي والمادي، أمن وفرح، ومغفرة – وجوه ناضرة – مقام محمود – نور يحفهم – تسلم عليهم الملائكة -  في الدنيا ندفع ثمن متعنا المؤقتة جهوداً ووقتاً أكثر من الوقت الذي نستمتع به بها بعد صناعتها، أما في الجنة كل ذلك وأكثر يقدم لنا من دون جهد ولا ثمن، ولهذا كانت الهدايا في الدنيا مرغوبة لهذا لأنها بالمجان، وفي الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على عقل بشر، وهو نعيم دائم ومتنوع، (ولهم ما يدَّعون) وأعلى نعيم الجنة المعنويات والروحانيات، مثل رضا الله تعالى - واستمرار النعم – سلامة الصدور والقلوب من كل ما يعكر صفوها، - فواكه للتلذذ وليست للبقاء – الشراب الطهور – أزواج وزوجات خيرات حسان، تذوق أولي للمصير: للصالحين استقبال حسن في الجنة، والكافرون يستقبلون بالضرب على وجوههم وأدبارهم، أما نعيم وعذاب حياة البرزخ فإن القرآن لا يفصل فيها كثيراً، وذكرت السنة بعضاً منها.</p>
<p><strong>د – النار:</strong> نماذج من عذابات النار، شبيهة رمزياً بما يفعله الظالمون في المظلومين في الدنيا، دون أن يستوعب القرآن كامل ما يفعله هؤلاء المجرمون، بسبب فظاعته وسوء ذكره شكلاً ومضموناً، وعلى القارئ أن يتخيل بعدها عذابات النار، بمقدار ما يعرف منها في دنيا الظالمين والمظلومين.</p>
<p><strong>عقوبات أخلاقية سلبية</strong>: حبوط أعمالهم – خيبة أملهم – يأسهم من رحمة الله – خسرانهم – سود الوجوه – عض أصابعهم – خذلانهم – شهادة جوارحهم على أفعالهم .....الخ.</p>
<p><strong>عقوبات بدنية:</strong> سجنهم – جوع – عطش – نار متقدة – قيود وسلاسل – مقامع من حديد – سلخ الجلود – ماء حميم – طعام الزقوم - .......الخ.</p>
<p>أسس التكليف الأخلاقي: الاقتضاء الأخلاقي المحض – والضرورة الاجتماعية في جوهرها – والعقل الراشد العملي – ورابعاً: الإيمان بوجود سيد خالق مشرع، سلطته علوية على عباده.</p>
<p><strong>الفصل الرابع: النية والدوافع </strong></p>
<p>النية هي الغاية التي يقصد العاقل بلوغها من عمله، أو بمعنى الهدف، وهي مبدأ أو فكرة تحفز النشاط الإرادي، وتدعى (الباعث) أو (الدافع) لتسويغ العمل المعتزم، ليطابق القانون أو الشرع، وهي الموضوع الذي يلهم الإرادة لتقوم بالعمل المطلوب، ونفرق بين النية الأخلاقية، والنية النفسية، والثانية لا تدخل في مجال الأخلاق مباشرة لحياديتها، والنية بمعنى القصدية، والدافع بمعنى الغرض والهدف.</p>
<p><strong>النية</strong></p>
<p>النية هي القصد والعزم للقيام بعمل ما ويمر بثلاث مراحل: 1- تصور العمل المراد 2- إرادة إحداثه 3- تقييمه.</p>
<p>وهي في هذه الأدوار حالة شعورية.</p>
<p>أ- النية كشرط للتصديق على الفعل: وغيابها يحول الفعل إلى عالم لا إرادي، كالنائم، والحادث الطبيعي، والكوارث الطبيعية، وبهذا يفتقد هذا العمل المسؤولية الأخلاقية أو القانونية، ويمكن قيام الدولة بالعمل نيابة عن الممتنع عنه وغياب نيته فيه، فتكون نية الدولة أو القاضي بديلاً عن المستحق عليه الفعل، فهنا يتم أداء الواجب برضا أو إكراه، وربما كان التكافل الاجتماعي وواجبات الفرد تجاه مجتمعه تتطلب قيامه بأفعال نيابة عن المستحقة عليه إذا قصر عن فعلها مثل كف الأذى أو امتناعه عن فعل المنكرات، فيقوم أفراد المجتمع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد أو اللسان أو القلب، أما ما يقوم به المنافقون من صلاة وصدقات فلن يقبل لغياب الرضا الشعوري الخالص، وغياب الحماس لأداء هذه الواجبات برغبة وحب وسرور، والسبب في ذلك غياب النية الشرعية المقبولة، ولهذا صدر كتاب البخاري بحديث: " إنما الأعمال بالنيات" ويمكن الاستثناء في بعض الحالات إذا تم الأمر كما ينبغي، عند بعض الفقهاء، (الحنفية) في بعض المسائل: كالوضوء والاغتسال، وحجتهم أن النية في مثل هذه الأمور الحسية شروط كمال لا شروط قبول (وبطلان)، والجميع أقروا بمثل هذا في زكاة الصغار من أموالهم، وأن النية من الوصي.</p>
<p><strong>ب – النية وطبيعة العمل الأخلاقي:</strong> قيمتها من حيث اتفاقها أو اختلافها مع القانون، إذا كان العمل مشروعاً فإن النية الحسنة أو السيئة لا تأثير لها على هذا العمل، إلا إذا توصل به إلى غاية غير مشروعة، فمن قصد الخير بمعصية عن جهل فهو غير معذور، إلا إذا كان قريب عهد بالإسلام، قال الحسن البصري+ وسعيد بن جبير: " لا يصلح قول وعمل إلا بنية، ولا يصلح قول وعمل ونية؛ إلا بموافقة السنة، وأن يكون العمل برضا وحرية، وإذا وقعنا على رغم هذه الشروط في الخطأ، دون قصد، فالحكم لقوله تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)، ولنا الأجر في حال الاجتهاد الحقيقي المخلص، مع الإرادة الطيبة، طالما أننا نتوجه إلى الخير الموضوعي.</p>
<p><strong>وثاني التحديدات: </strong>حركتنا الإرادية تنطلق من الفكرة المشروعة باتجاه العمل والتنفيذ، ودور النية دور النطفة التي يخرج منها الوليد فيما بعد، والعاقل النموذجي هو الذي يخلق وقائع يطوعها لفكرة الخير، حتى يجعل الدنيا أكثر كمالاً كما يريدها الله الخالق، والدور الرقابي هنا يكون للضمير الأخلاقي الحي الملتزم، وعندها يلتقي العقل المفكر، والقلب المخلص، واليد العاملة.</p>
<p><strong>ج – فضل النية على العمل:</strong> ما من عمل إلا ويحتاج إلى قرار (نية) وتنفيذ (عمل)، لكن الأخلاق الإسلامية تغلب الواقع القلبي على الواقع الحسي، والقرآن ربط بينهما، إيمان وعمل، وكلمة التقوى التي تكررت في القرآن 220 مرة هي في الأساس عمل قلبي، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله..." (البخاري)، فيكون العمل الظاهري مكمل للعمل الباطني، وأثر النية أكبر من أثر العمل، لأنها قريبة من نفس الإنسان وهي المقصودة بالعمل الأخلاقي، والعمل مجرد تأكيد وتحقيق.</p>
<p><strong>د – هل تكفي النية بنفسها:</strong> أحياناً تكون هي المحددة للفعل من ناحية القيمة الأخلاقية نفذت أو أعاق تنفيذها عائق، كالمسلمين المتقاتلين بسيوفهما، فالقاتل والمقتول في النار، وأخرى ينقصها التوفيق للتحقق، فلصاحبها أجر الصلاح، أو لم يستطع فعلها عليه وزرها إذا كانت للفساد، أما قوله: (ولكل درجات مما عملوا) و (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره) تبين أن لكل عمل ومنها النية (لأنها عمل باطني) حسابها في إطار تحققها بعمل، أو إعاقتها عن التحقق، حسب الواقع فمن بقي حبيس نيته ليس كمن تحول إلى تنفيذها، وفي جميع الأحوال النية لها وعليها من الأجر أو الوزر، فإذا تحولت في الخير إلى واقع فهي الأكمل والأبر.</p>
<p><strong>دوافع العمل  </strong></p>
<p>بعد أن تعرفنا على مشروعية العمل والنية وشروط استحقاقهما القيمة الأخلاقية، وعلاقتهما بالواجب من حيث الالتزام والمسؤولية، اليوم نجيب على سؤال لماذا أفعل الواجب؟ وفي سبيل أي هدف؟ وما علاقة الأخلاق بالغاية من الفعل، إذا كانت مشروعة أخلاقية، أو غير مشروعة ولا أخلاقية.</p>
<p><strong>أ – دور النية غير المباشرة وطبيعتها: </strong>يقول الإمام الغزالي: "إنما النية انبعاث النفس وتوجهها، وميلها إلى ما ظهر لها أن فيه غرضها، عاجلاً أو آجلاً، ويسبق هذا الميل اكتساب أسبابه، وانبعاث النفس إلى الفعل إجابة للغرض الباعث، الموافق للنفس، وأحياناً تتضارب وتتشابك الأغراض بين إرواء الغرائز، وتحقيق الأهداف، ويصعب التمييز بينهما إلا مع توفر اتخاذ الأسباب إلى هذا وذاك، وما يؤثر في حكمنا على النية 1- نوع العمل المقصود، 2- الباعث الأكبر لهذا العمل، مع ملاحظة البواعث الجانبية الأخرى.</p>
<p><strong>ب – النية الحسنة:</strong> إذا اعتبر "كانت" فكرة الواجب هي المحددة للإرادة الطيبة، المتوافقة مع القانون والعقل، فإن القرآن يعتبر أن الإذعان للواجب باعتباره صادر عن سلطة عليا للموجود الأسمى (الله) الذي منح الواجب القيمة الأخلاقية، في المقام الأول، لينزهنا عن أهوائنا باتباع شرعه الحنيف، (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) ص/26، وهذا يجعل المقصود بالنية الحسنة (الله تعالى) ولا أحد سواه، مثال الصدقة للفقير، والإحسان للغير، وهذا لا يعني إغفال أهمية الآخرين ونعيم الدنيا ورفاهية الحياة، لكن كل ذلك لمرضاة الله وفي إطار منهجه العظيم، ونرصد ست حالات في هذا الصدد:</p>
<p>1- لا أخلاقية حيازة الدنيا بالحرام. 2- لا أخلاقية الالتزام المرائي والكاره له باطناً. 3- الحيادية في عمل الخير والالتزام بسبب الفطرة وليس الشرع. 4- الالتزام العقلي في أدنى سلم الأخلاقية. 5- الالتزام من غير نية لأكون صالحاً ومفيداً. 6- عدم الخضوع للمادة والمادية في أحلك الظروف، من قبل أناس جعلوا من أنفسهم يد القدر لنجدة المحتاجين، وكل همهم مرضاة الله تعالى.   </p>
<p>المبدأ الأسمى للأخلاقية يُلتَمَس في النية، والإرادة النزيهة، والأحكام المعللة بالخير مقصودة في الواجبات، فتزيد في جمال الالتزامات والطاعات، ونحن بحاجة إلى توحيد موضوع الإرادة مع موضوع الشرع، سواء توقفنا عند شكله، أم تغلغلنا في جوهره، والباقلاني كفر من ادعى البراءة من الحظوظ، لأنهم نسبوا لأنفسهم ما هو من صفات الله، ولهذا كانت أفعالنا بين ثلاثة أحكام: ثواب – وعقاب – ومباح، وهذا في حديث: "الخيل لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر،" (الموطأ)،</p>
<p><strong>ج – براءة النية: </strong>عندما تتجه إلى المباح من الأغراض والأعمال، دون قصد، فإن قيمتها الأخلاقية صفر، بينما يجب علينا الخضوع لسلطة الواجب طوعاً أو كرهاً في الاستجابة لله ورسوله، ومن لاحظ رضا الناس في عمله انقلبت طاعته معصية، بسبب الرياء، والنية في حالة براءة إذا اجتنبت الآثام، ولو لم ترقَ إلى الواجب الأخلاقي، عند ممارسة المباحات، والسعي للمنافع لا يعتبر إثماً طالما أنه يجتنب الآثام، والسعادة الأبدية تحتاج 1- طهارة القلب 2- الإيمان الراسخ، والمؤمن بين الخوف والرجاء، فإذا كانت اليهودية (شريعة الخوف)، فإن المسيحية (شريعة الحب)، والإسلام يجمع بينهما، ولهذا ذكرت السنة: 1- الكسب الحلال مباح، 2- الكماليات: لا بأس بها، وتندب لشكر الله على نعمه، 3- الاستثناءات لا تطلب لذاتها حتى لا تتحول إلى نكران لنعم الله. 4- اللعب: لترويح النفس يتحول إلى ما هو فوق المباح، بل المندوب لتحقيق النشاط في الطاعات والواجبات، وتتحول النية بها إلى أمر حسن،</p>
<p> اختيار الجوع والعفة في حال كانت تكاليف الشبع والزواج كبيرة وكثيرة وصارفة عن تحقيق الفضائل، يكون اختيارها أفضل، لكن في حال توفر ما يسد الرمق ويسكت الجوع والباءة للزواج لتحقيق أغراض ما فوق العفة، وهو الانجاب والتكاثر وزيادة العلاقات الاجتماعية يكون هذا أولى، والامتناع لمجرد الامتناع للتظاهر أو تمثل التقوى والتعبد، ومن ثم المغالاة في ذلك يكون منافياً لوسطية الشريعة، ومضادة لأمر الله وسنة رسوله، ولهذا نجد في القرآن مراتب التوجيه الرباني متتابع ومتتالي جنباً إلى جنب: واجب – مستحب – مباح، والمسلم لا يلتزم الأخلاق العقلانية (كالرواقيين الإغريق) بعيداً عن المنهج الشرعي الذي يوجهنا إلى مرضاة الله في الالتزام الأخلاقي، لأن سعينا للكمال يتجه لتحقيق غاية أعلى وأعظم وهي الحرص على مرضاة الله، لأن الغاية الأساس ابتغاء وجه الله في كل أمورنا.</p>
<p><strong>د – النيات السيئة:</strong> هي ما كانت خارج نقاط الخط المستقيم الذي يمثل صراط الله، ولهذا إذا كانت النية أو الغرض 1- الإضرار. 2- التهرب من الواجب 3- الكسب الحرام. 4- الرياء، فهذا كله خارج نقاط ومواضع الصراط المستقيم.</p>
<p><strong>1- نية الإضرار:</strong> أحكام الشريعة تحقق العدالة والرحمة والسعادة، لكن اتباعها ليسوا في جميع العصور على مستوى هذه المطالب، وهذا ما يجعلها ذات وجهين بعيون أعدائها، ظاهر أتباعها مسلمين، وباطنهم وسلوكهم يتلون بكل مكونات المجتمع البشري وشعوبه، فيصبح حاله كدين وهوية؛ حال هش، وكثير من أتباعه غثاء كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، أشبه بالمنافقين سلوكاً، لحديث: " إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا" وفصل القرآن العلاقة الزوجية وبين كيفية إصلاحها، أو انفصامها كنموذج.</p>
<p><strong>2- نية التهرب من الواجب:</strong> إذا كانت مقصودة وبتخطيط مسبق للتهرب من الواجبات فإن الشريعة تؤثمه وتحرمه، (كفعل أصحاب الجنة المحترقة) أما إذا كانت عفوية من غير قصد بدوافع المصالح التجارية وحركة السوق وظروفه، ولو أدى ذلك إلا خرم شروط أداء الزكاة، وتضرر الفقراء من عمله، فإنه لا يؤاخذ لأن العمل على تحقيق المصالح الشخصية ليس بمحرم ولا محظور، والأنانية المفرطة وغير المفرطة، إذا لم تكن تؤدي إلى نتائج سلبية فيما يتعلق بأداء الواجبات أو بعضها بشكل مقصود (نية سيئة) فإن الشرع لا يمنع من تصرف الأفراد بشكل يحقق مصالحهم. <strong> </strong></p>
<p><strong>3- نية الحصول على كسب غير مشروع:</strong> قد لا يكون كسبهم بهذه النية الواضحة، لكن أعمالهم وحيلهم وغشهم يؤدي إلى هذه النتيجة، دون أن يشعروا بالحرج، حين يظنون ويعتقدون أن التجارة شطارة، من خلال إخفاء ما يقومون به من حيل ومواد لو علمها الزبائن لما أقدموا على الشراء منهم، حتى لوكان الأمر في النهاية برضا الطرفين، وذكر منها الترمذي: هدية القاضي (رشوة)، والمدين الذي يطلب مخالصة مالية، فيها شبهة (الربا)، ومنها تنازل الزوجة عن جزء من مهرها ترضية للزوج ليحسن إليها (سوء معاشرة)، ومنها ما صنعه يهود حاضرة البحر يوم سبتهم (للصيد المحرم)، ومن ذلك (بيع اليهود شحم أنعامهم) وهم ممنوعون من أكله، فأكلوا ثمنه، ومن ذلك ما تفعله البنوك الإسلامية من بيع سلعة مشتراة لشخص بالتقسيط (إقراض)، ثم شراءها منه بأقل من ثمنها الأول ونقده ثمنها، والفارق بين العمليتين (ربا مبطن)، هناك من أحله، وهناك من حرمه، ومثل ذلك في الأيمان والحلف، بنيات مختلفة، والحيل الشرعية التي يمنع وجودها إقامة الحدود، وقد توسع مذهب " "الحنفية" في هذه الحيل على اعتبارها شبهات تمنع إقامة الحدود، لأن الشريعة تؤكد في إقامة الحد على توفر شروط الجريمة الكاملة، وهذه الحيل تمنع تحقق الجريمة الكاملة في هذه المخالفات.</p>
<p><strong>4- نية إرضاء الناس (الرياء):</strong> تميل إليه النفس البشرية لتحقيق الاعتزاز بالذات في العلاقات الاجتماعية، وحين تكون درجة هذا الرياء متطرفة، ينقلب الرياء إلى نفاق مذموم محرم يبطل العمل، لكن في بعض صوره المشروعة المخففة، يكون لتزكية قبول الناس للشخص في دعوته لهم، وإرشادهم، وتحقيق مآرب سيادية في المجتمع مشروعة بعض الشيء، فلا يكون فيها حرج، خاصة إذا تساوى هذا الرياء مع حضور الناس وغيابهم على حد سواء، لأن طاعة الله لديه لا ترتبط بالناس في السر والعلن، وربما كان قوله تعالى: (لإيلاف قريش إيلافهم) توحي بأهمية الألفة الاجتماعية والقبلية بذكر اسم القبيلة متفضلاً الله عليهم في هذا الإيلاف، الذي قد يكون مطمحاً لكل فرد فيهم، للمقولة الذائعة الصيت: "الإنسان كائن اجتماعي" والمنكر من هذا الرياء ما كان المسلم يظهر خلاف ما يبطن ليخدع الناس، والنية وتلونها هو المحدد لهذه الرذيلة، التي تحبط العمل، وذكرت السنة نماذج من هذا الرياء: 1- المقاتل الذي يرغب بأن يقال عنه جرئ.." 2- والعالم الذي تعلم ليتصدر الناس فيقال له: قارئ" 3- والمنفق الذي ينفق ليقال له: جواد" فهؤلاء هم في النار بسبب شركهم مع الله (شرك أصغر).</p>
<p><strong>هـ - إخلاص النية واختلاط البواعث:</strong> حين يجتمع للمرء الإخلاص لله في عمله، ومحبة ظهوره في الناس، هذه الرغبة تحبط الإخلاص، إلا إذا كان غير مقصود كما في حديث: " يا رسول الله، أسِرُّ العمل، لا أحب أن يُطلع عليه، فيُطَّلع عليه، فيسرني ذلك" فقال النبي: "له أجران، أجر السر، وأجر العلانية" (الترمذي)، والمفسرون اتفقوا على أن انكشافه بعد تمامه، كما إذا أراد الاقتداء به من الآخرين، وتشجيعهم على فعل هذه الفضيلة، ويمكن ملاحظة سبق النية الخالصة هذا الظهور والرغبة فلا تأثير على ما عزم عليه قبل، وما حدث له بعد، لقوله تعالى: (خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، عسى الله أن يتوب عليهم) (التوبة/102)، ويميز الغزالي بين النوايا ثلاث: مرافقة – ومشاركة – ومعاونة، فهنا يتصارع باعث الواجب، وباعث الهوى، فالذي له الغلبة هو المستحق والمتحكم بالنتيجة، وهذا ما أكده القرآن وأباحه في الحج من التجارة لقوله: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم) على أن يكون الواجب الروحي والحج هو المقدم والأصل والباعث على هذا السفر.</p>
<p><strong>خاتمة</strong></p>
<p>الواجب الأخلاقي في القرآن محاط بشروط المشروعية، والإخلاص، والنية الحسنة، والارتباك الحاصل من خلال اختلاط البواعث على العمل الأخلاقي، لا يمكن الحكم عليه بمجرد لحظة شعورية وحيدة، وإنما يراعى فيه درجات قيادة هذه النوايا والمشاعر لإتمام العمل أو الابتداء به، على قاعدة "اعمل وغايتك الله وحده".</p>
<p> </p>
<p><strong>الفصل الخامس: الجهد</strong></p>
<p>في معركة الفضيلة نميز بين النية والعمل، وفي هذا الفصل نلقي الضوء على العمل، وحين خلق الله الإنسان، ألهم نفسه فجورها وتقواها، من خلال ما منحه من نعمة الحرية وإرادة الاختيار بين الخير والشر، مع إدراك ما يتمتع به الإنسان من كمال نسبي، ونقص نسبي، لهذا الاعتبار الأولي فيما ألهمه خالقه من القدرة على الفجور أو التقوى، مع تحمل مسؤولية اختياراته وتصرفاته، فالمسؤولية مقابل الحرية، والقرآن نبهنا إلى أن العمل لا يكفي دون مجاهدة، لأن النشاط الإنساني الفعال يحتاج إلى هذه المجاهدة ليثمر فعلاً ويؤثر، ولهذا استخدم القرآن كلمة (جاهدوا) كثيراً، كناية عن بذل الجهد والقوة في العمل، ولهذا نلحظ مفاهيم هذه الكلمة والعبارة فيما يأتي:</p>
<p><strong>1- جهد وانبعاث تلقائي:</strong> باتجاه تحقيق معنى أخلاقي، أو مضاد له، والانتصار على الشر، يكلفنا غالباً تضحية، وكفاحاً انتصاراً لفضيلة، واكتساباً لسلوك حسن، والفيلسوف "كانت" ينكر قدرة إنسان على التحلي بكامل الالتزام بالقانون، لكنه لا ينكر قدرة إنسان على أداء واجب معين بطواعية وهمة وحب، واختلف علماء الإسلام فيمن روض نفسه فوصل للتلقائية في الخير، وآخر يجاهد في التوبة، لكن لديه نزوع للعودة إلى شهوات نفسه، الفضيلة ليست من ثمرات الطبيعة، وليست اكتساب مطلق، لأن الإنسان القديس، والشرير، لا يخلو أحدهما من احتياجه لجهد المقاومة للشهوات ولو بدرجات متفاوتة ومن ذلك:</p>
<p><strong>أ- جهد المدافعة:</strong> في مواجهة الميول الخبيثة مشكور ومشجع عليه في القرآن: (وأما من خاف مقام ربه، ونهى النفس عن الهوى..) والصوم أحد وسائل المجاهدة، وهي تضحية معتبرة، لدى الإنسان السوي المزود بالغرائز الطبيعية، والعقل الضابط، لكن بعض الناس يصلون إلى التلقائية في اختيار الخير فحسب، وهم الصالحون والأولياء والرسل، لكن البعض من هؤلاء دفع مجهوداً للوصول إلى هذه الدرجة، ويؤيد الله فطرتهم للانتصار للفضيلة، (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) (الأنعام/ 124)، فالقديس مدفوعاً بالحب، والرجل الوسط مدفوعاً (بالعقل)، والعامي (بالخوف)، بينما الصالحون كما ذكر القرآن خنس الشيطان عندهم بقوله: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان)، والجهد يصنع المواقف ويصقل النفس ويكون العادة، لهذا وضع "أرسطو" الفضيلة في طائفة العادات، ولهذا كان الجهد وسيلة لتقليل جهد المقاومة، حين يروض نفسه على الالتزام بالفضائل.</p>
<p> إن الذي يحتاج إلى جهد كبير من المجاهدة لمقاومة شهواته إنسان بدائي؛ لأن الإنسان الناضج يسير في حياته بشرف دون أن يعرض نفسه للعنف في الانضباط، بسبب إيمانه القوي بأهمية الفضيلة، والمدد الإلهي يسبقه طلب إنساني واستعداد لتلقي المنح الربانية في الحفظ والتوفيق وسلامة القلب، قال تعالى: (كانوا أحق بها وأهلها)، وذلك لأن إنسان على هذه الشاكلة، يتمتع بالأخلاقية التي تعرف بأنها "فن السيطرة على الأهواء" مع أن التعريف بالأخلاقية هي تجاوز السلبية في الدفاع والكف، إلى الإيجابية في طلب فعل الخير والصواب، وهذه مرحلة متقدمة على ما ذكرناه قبلها، فهو جهد متقدم مبدع، فوق جهد المدافعة.</p>
<p><strong>ب – الجهد المبدع: </strong>يبدأ بإزاحة الميول السيئة من النفس، لكن هذا وحده لا يكفي إذا لم نغرس الاتجاهات النافعة في سلوكياتنا وعاداتنا، من خلال العمل الأخلاقي في الإرادة الخيرة، على أن يكون محدداً بكيفه، وكمه، وغايته، ووسائله، ومكانه، وزمانه، على أن لا يكون الأمر موكول لمجرد الفطرة والبيئة، أو العواطف الجامحة والاعتبارات الاجتماعية، بل يرتبط بكمالنا النفسي واستقلالنا الحر الأخلاقي، وقيمنا الثابتة، وحينها نقول أننا صانعي أخلاقنا، ولهذا خاطبنا القرآن بقوله: (اعملوا فسيرى الله عملكم) (التوبة/105)، مع الحذر من الاتكالية الأخلاقية، لأنها تعبير عن الفتور المعطل للنشاط والمبادرة، ولهذا جاء الحديث: " احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز" (ر. مسلم)، ولا يكفي العمل الخيِّر الأخلاقي إلا بأن يستهدي بتوجيه الشرع، ويتطابق مع قواعده وحدوده، مثال: ، لها ضوابطها كماً وكيفاً، أدنى وأعلى، والأشخاص المستحقين، وحالة السر أو العلن، والابداع هو البحث وعمل الأفضل الممكن، لقوله: (فيتبعون أحسنه) وفي الحديث: "إن الله يحب معالي الأمور..." (الجامع الصغير)،</p>
<p>في ظروف معينة يبذل المجاهد نفسه في سبيل انتصار الحق، ويوجد آخر من القاعدين من يبذل ماله دون نفسه، فإن القرآن يثني على الأول، ثم يثني على الآخر كذلك، باعتبار ما يقدمه من خير، لئلا يحرم أحد ممن يفعل الخير، ولو بدرجة أدنى من الأول السابق المتقدم، مما يعطي فلسفة أن الخير لا يفقد فضله ومسماه بتدني درجته، لأن الناس متفاوتون في طاقاتهم وهممهم لحديث: " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير" (ر. مسلم)، ولا يظن الدارس أن صيغة (الأفضل) هي الحد الأعلى، بل ربما كان الأفضل الصادق المخلص المقل، عن المتثاقل المكثر، حسب الموقف، والتدرج يشمل ثلاث درجات: (الاختيار الإرادي – والاختيار الصالح – والاختيار الأفضل)، ولا يجب أن نقارن الأفضل بالذي هو دونه، فنسمه بالنقص، لأن الأفضل يسبقه الفاضل كذلك، وكذلك ما ينسب إلى الأفاضل من رسل وأنبياء وأولياء من ذنوب، أو معاصي، فإنها لا تكون بنفس الدرجة التي يفعلها العامة والآخرون، لأن هؤلاء الأفاضل معصومون أو شبه معصومين من الذنب والمعصية الصريحة، وإنما يحيط بها النسيان، وعدم العمد وعدم القصد أو الإصرار.</p>
<p><strong>2- الجهد البدني:</strong> لا يطلب فيه شدة الألم وقسوة الجهد، لأن الإسلام مبني على اليسر وعدم الحرج، والوسطية، ولا يطلب الجهد لذاته، وإنما يكون بذله حين لا يكون منه بد، كما هو في الجهاد والحروب، وربما يكون في:</p>
<p><strong>1- النجدة:</strong> لإنقاذ غريق، أو حفظ حياة إنسان، وما تقتضيه من تضحية، ربما تصل بصاحبها إلى أعلى درجات الفضيلة، لأنها تحتاج نية خالصة، وإرادة قوية، وجهد بدني مغامر.</p>
<p><strong>2- الصلاة:</strong> بما تستلزمه من شروط وتكرار وجهد وإرادة ونية وبذل وعمل بدني، والتزام في أحلك الظروف برداً وشتاءً، وصحة أو مرض في سفر أو حضر، يقارب ما بذل في النجدة.</p>
<p><strong>3- الصوم:</strong> إذا لم يكن الألم والمشقة موضوع تكليف مباشر، لكنه ناتج عن مستلزمات بعض الواجبات الأخلاقية والدينية، مثل فريضة الصوم، كما أن من نتائجها التحرر من استرقاق الشهوات، لأنه لو فعل وبقي منغمساً في الآثام لم ينفعه هذا الإمساك، لأن الصوم هنا باعتباره واجباً فريضة، وباعتبار آدابه شروطاً لتمام الأجر وكمال الالتزام، كما في الحديث: "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"</p>
<p>(ر. البخاري). لكن الصبر والتحمل مطلوب في حالات غير هذه الفرائض الدينية والعملية مثل:</p>
<p><strong>1): صبر وعطاء:</strong> أيهما أفضل لو قارناهما ببعضهما، لكن في الحقيقة لا مقارنة، لأن لكل حالة ظروفها وحيثياتها، فليس الفقر مطلباً، كما أن الرفاهية الزائدة ليست الأفضل، لأن شروط كل من هاتين الحالتين تعتمد على الظروف التي تحفظ للقلب سلامته، وللسلوك وجاهته.</p>
<p><strong>2): عزلة واختلاط:</strong> أيهما أفضل، فإن الاختلاط أفضل لما فيه من فوائد نقدمها لمن نختلط بهم، لكن في حال الاضطرابات تكون العزلة أولى لما فيها من تجنب الفتنة أو التعرض لها، لحديث: "المسلم إذا كان يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" (الترمذي)، لكن العزلة المباحة هي ما كانت للجوء إلى الله وتصفية النفس من مشاغلها، كقيام الليل، والاعتكاف، والتحنث.</p>
<p><strong>3): جهد وترفق: </strong>يشمل الحالتين الأولى: (وجاهدوا في الله حق جهاده) (الحج/77)، وقوله: (فاتقوا الله ما استطعتم) (التغابن/16)، وفي حالة الضرورة يمكن تجاوز الوضع الطبيعي لقوله: (إلا ما اضطررتم إليه) (الأنعام/119)، لكن التضحية غير الواجبة التي تقتضيها الأخلاق والالتزام، يسجل لها الأجر العظيم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لصهيب: "أبا يحي، ربح البيع، ربح البيع" (السيوطي)، شرط أن لا يكلف الإنسان نفسه المشقة دون داعٍ لها، لقوله تعالى: (وما أنا من المتكلفين) (ص/86)، وبعض النصوص جمعت بين المجاهدة واليسر، كما في حديث: "إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق" (ر. أحمد).</p>
<p><strong>خاتمة</strong></p>
<p>فالنشاط الأخلاقي والقيمي الذي وجهنا إليه القرآن، هو النشاط الذروة والأفضل حين يكون هذا الأفضل يستوجبه الواجب، ويثمن نشاطنا المتناسق مع اليسر وعدم الحرج، والمعتدل حين تكون التلقائية والاعتدالية هي المطلوبة، ولقد سبق أفلاطون في الاعتراف بان المجال الأخلاقي مقياسه ما يوجبه العقل السليم، بينما أرسطو يضع قاعدة الوسط العادل وهو تجنب الإفراط أو التفريط، والقرآن حدد ما ألهم به هذين الفيلسوفين، بقوله: (واقصد في مشيك، واغضض من صوتك) (لقمان/19)، لكن هذا لا ينطبق على الصدق، الذي يقتضي الكمال الكامل، وقول الحقيقة التامة، ومثل الصدق الأمانة، وإذا كانت قواعد هذين الفيلسوفين لا تنطبق عليهما جميع الفضائل والأمثلة، فإن القرآن لم يضع قواعد تعريفية حدية، لئلا يقع في التناقض التعميمي أو عدم الدقة التي وقع فيها أفلاطون وأرسطو، فتحدث القرآن عن كل مسألة على حدة، ومثله صنعته السنة النبوية كذلك، حيث وضعت الشريعة لكل فضيلة مقياسها النوعي.</p>
<p><strong>خاتمة عامة: </strong>لقد علمنا القرآن واجباتنا العملية، وعلمنا كذلك إلى جانب ذلك الجانب النظري الذي يجعلنا نقوم بهذه الواجبات على أكمل وجه ظاهراً وباطناً، وهو مفهوم الأخلاق وطبيعتها ومصدرها وشروطها والوسائل الموصلة إلى نقائها وتمامها، وعلاقتها بالدين، وأن شعائر الدين قليلة جداً إلى جانب قيمه الأخلاقية، التي تشمل كامل السلوك الإنساني، الذي يجب أن يدور في فلك طاعة الله ومحبته، والسعي لكسب رضاه، وهي ليست أخلاق دينية محضة، بمقدار ما هي أخلاق إنسانية وعقلية ونفسية تشكل الشخصية الإنسانية بعامة، في جميع أحواله كإنسان، وعاقل، وحكيم، ومتدين، وحتى من غير أن يكون متديناً، فهو مطالب بتفعيل كرامته التي منحها الله لكل إنسان، وذلك لأن الله الخالق نفخ في روحه ونفسه فطرة إدراك الشعور بالخير والشر، قبل أن يخاطبه بواجباته التعبدية، وهذا ما نلحظه لدى الأطفال، والملاحدة كذلك.</p>
<p>إن الشريعة الدينية لم تأت لنسخ الشريعة الطبيعية، بل لتأكيدها في الفطرة والمعرفة والكينونة، بينما الدِّين جاء ليحثنا على التكامل بين الشريعتين، لتحقيق كمال الشخصية الإنسانية المكرَّمة، والسعي لكسب مصيرها المستقبلي الأبدي في النعيم الخالد، مع عدم نسيان قدسية الالتزام بالواجب الدنيوي في السلوك الفردي والأسري والاجتماعي والإنساني، بما يحوطه من رحمة وعدالة، ومحورها التزام ما يسمى "التقوى"، من خلال الاعتدال والالتزام بأحكام: (الفرض – المباح – المحرم)، في إطار ما يسمى (الثابت – والمتحول)، لتحقيق الطاعة الكاملة، والأخلاق المتكاملة.</p>
<p><strong>الأخلاق العملية</strong></p>
<p>بعد أن غصنا في تركيبة الأخلاق القرآنية، وجدناها تتميز بقيم ذات طرفي المستقيم، متوازنة بين الصرامة والليونة، والعقلية والقلبية، والفردية والاجتماعية، التحررية والنظامية، الواقعية والمثالية، من خلال توازن عجيب، لا يستطيعه فكر بشري، لأن مصدره خالق البشر، ويزهر من خلال تكامل العقل والإيمان، دون أن يوقع الإنسان في الإفراط أو التفريط، الغلو أو الميوعة، وأدلة ذلك من الآيات والنصوص التي تتحدث عن:</p>
<p><strong>1- الأخلاق الفردية:</strong> في التعلم والتعليم، والجهد والمجاهدة، وطهارة النفس، والاستقامة، والعفة والاحتشام، وضبط الأهواء، والتحكم في الغرائز، والحلم وكظم الغيظ، والصدق، والتواضع، والتثبت وعدم التسرع، والثبات والصبر، والاعتدال، والصلاح، والتنافس، وحسن الاستماع، والإخلاص.</p>
<p><strong>2- النواهي:</strong> عدم القتل، وعدم الانتحار، وعدم الكذب، وعدم النفاق، عدم تنفيذ ما نقوله، عدم البخل، وعدم الإسراف، وعدم الرياء، وعدم الخيلاء والكبر، عدم التفاخر، أو التعلق بالدنيا، عدم الحسد، عدم الزنا والخمر والربا عدم أكل الحرام.</p>
<p><strong>3- المباحات:</strong> التمتع بالطيبات، وإباحة الضرورات، والسعي للدنيا والآخرة معاً.</p>
<p><strong>الأخلاق الأسرية</strong></p>
<p><strong>1- </strong>الإحسان للوالدين، ولذوي القربى، رعاية الأولاد، رعاية حقوق الأزواج، المعاشرة بالمعروف، احترام الصداق (المهر)، قواعد وشروط تعدد الزوجات، تحقيق المودة والسكن والرحمة، المساواة والتكامل، التشاور الأسري، طرق حل المشكلات الأسرية، التحكيم، الطلاق، العدة، تعويض المطلقة، عطاء الأقارب، الوصية، والإرث.</p>
<p><strong>الأخلاق الاجتماعية</strong></p>
<p><strong>1- المحظورات:</strong> قتل الإنسان، السرقة، الغش، الربا، أكل الأموال، خيانة الأمانة، الظلم، الإيذاء، التواطؤ على الشر، الخيانة، شهادة الزور، كتمان الحق، السخرية، احتقار إنسان، التجسس، الغيبة والنميمة، القذف.</p>
<p>2- الأوامر: أداء الأمانة، تنظيم العقود، الوفاء بالعهد، الشهادة بصدق، الشفاعة، التراحم، رعاية الأيتام، تحرير العبيد، العفو، التعاون على البر، الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، نشر العلم، العدل والإحسان، الإيثار، شروط الإحسان، ذم الكنز والبخل.</p>
<p><strong>3- قواعد الأدب:</strong> آداب الاستئذان، خفض الصوت، تحية الدخول، رد التحية، حسن الجلوس، المناجاة بالخير، الكلام الطيب، استئذان الكبار في المغادرة.</p>
<p><strong>أخلاق الدولة</strong></p>
<p><strong>1- دور الرئيس: </strong>مشاورة الشعب، اتخاذ القرار، الحكم بالعدل، إقرار النظام والاستقرار، حفظ الأموال العامة، معاملة الأقليات بالحسنى.</p>
<p><strong>2- واجبات الشعب:</strong> طاعة القانون والنظام، الطاعة المشروطة بالشرع، الاتحاد قوة، التشاور، تجنب الفساد، الدفاع عن الدولة والأمة، الاستعداد الحربي، الرقابة وضبط الإعلام، الحذر من العدو.</p>
<p><strong>3- العلاقات الخارجية:</strong> احترام السلام، حرية الدين، منع نشر الكراهية، ترك الاستبداد، احترام الحيادية، حسن الجوار، احترام السلام في الأشهر الحرم، الدفاع عن النفس، ومساعدة المستضعفين، ملاقاة الأعداء، الثبات والوحدة، الحذر من مكائد الكفرة، الوفاء بالمعاهدات، الأخوة الإنسانية.</p>
<p><strong>الأخلاق الدينية</strong></p>
<p><strong>1- واجبات نحو الله:</strong> الإيمان بالله وبما أنزل من حقائق، الطاعة المطلقة (التامة)، وتدبر آياته، وتدبر صنعه، وشكره على نعمائه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، وعدم اليأس من رحمته، أو الأمن من بأسه، والإيمان بأن كل أمر متعلق بمشيئته، والوفاء بعهد الله، تجنب مجالسة الخائضين في آيات الله، وعدم الإكثار من الحلف بالله، ودوام ذكر الله، وتسبيحه وتكبيره وتعظيمه، وأداء الصلوات المفروضة، وحج البيت مرة على من استطاعه، الدعاء لله، والتوبة إلى الله، والتماس مغفرته، وأن يكون حبه فوق كل شيء.</p>
<p><strong>أمهات الفضائل الإسلامية</strong></p>
<p>الإيمان بالله وأركان الإيمان الستة، وأداء العبادات الخمسة (أركان الإسلام)، التوكل على الله حق التوكل، والصبر على الضراء، والشكر على السراء، التحلي بصفات عباد الرحمن، التقوى الحقة، والتوبة الدائمة، الحب الخالص لله ورسوله وكتابه ومنهجه القويم، والتحلي بحسن الخلق، والعمل بكتاب الله وسنة رسوله، والتعاون على البر والتقوى، والعفة عن كل محرم، ونصرة دين الله ونشره بين الناس قدر المستطاع.</p>
<p>انتهى تلخيصه 26/10/2025م مع التدقيق.</p>]]></content:encoded>
						                            <category domain="https://dar-alnajah.com/community/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/">القرآن والسنة</category>                        <dc:creator>محمد نبيل كاظم</dc:creator>
                        <guid isPermaLink="true">https://dar-alnajah.com/community/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/%d8%aa%d9%84%d8%ae%d9%8a%d8%b5-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%af%d8%b3%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%84%d8%a7%d9%82-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%84%d9%84/</guid>
                    </item>
				                    <item>
                        <title>مهام العقل في القرآن الكريم:</title>
                        <link>https://dar-alnajah.com/community/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/%d9%85%d9%87%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d9%84-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85/</link>
                        <pubDate>Tue, 23 Jul 2024 05:20:03 +0000</pubDate>
                        <description><![CDATA[مهام العقل في القرآن الكريم
جعل الإسلام للعقل مكانة في تكريم الإنسان، لم يجعلها لأي شيء آخر من هبات الله وعطاياه له، فاعتبر النظر العقلي واجبًا دينيًا، وجعل ممارسة الوظائف العقلية فريضة إله...]]></description>
                        <content:encoded><![CDATA[<div style="text-align: center"><span style="font-size: 14pt;color: #ff0000"><strong>مهام العقل في القرآن الكريم</strong></span></div>
جعل الإسلام للعقل مكانة في تكريم الإنسان، لم يجعلها لأي شيء آخر من هبات الله وعطاياه له، فاعتبر النظر العقلي واجبًا دينيًا، وجعل ممارسة الوظائف العقلية فريضة إلهية؛ بل ومسؤولية حتمية لا يستطيع الإنسان الفكاك منها وسيحاسب على مدى حسن أو إساءة استخدامه لها، واعتبر القرآن العقل أداة النظر، ولا يوجد نظر بدون عقل كما يقول الإمام الجويني: إن (شرط ابتداء النظر تقدم العقل) (كتاب الإرشاد للجويني).<br />ولم يرد لفظ «عقل» في القرآن الكريم بشكل صريح مباشر، لأن العقل ليس له ماهية قائمة بذاته مجردة، إنما هو عمليات عقلية صرحت بها الآيات الكريمة في مواضع كثيرة، فجاءت مشتقات «العقل» في تسع وأربعين آية كلها بالصيغة الفعلية، والصيغة الاسمية له جاءت بمرادفات: مثل اللب، وجمعت على الألباب والحلم، وجمعت على الأحلام، والحجر، والنهى والقلب، والفؤاد وكلها جاءت بمعنى العقل، وجاءت آيات أخرى كثيرة تدعو إلى إعمال العقل في النظر والتأمل والتدبر والفكر…الخ.<br />واعتبر القرآن العقل والعقلانية أداة للبرهان، فإذا لم يقبل الجاحدون بمعياريته يسقط اعتراضهم، وتسقط كرامتهم وتميزهم الإنساني عن عالم الجماد والحيوان، وهم بهذا كالعجماوات والأنعام، بل أكثر عجمة، ولذلك كان الأب «هنري لا منس» على حق في قوله: «إن محمدًا ليس بعيدًا عن اعتبار الكفر عاهة من عاهات الفكر البشري» فالكفار – ككل المحافظين في كل العصور- يقولون: إنه يكفيهم أن يتبعوا ما كان عليه آباؤهم، ومحمد – ككل المجددين- تستثيره هذه الحماقة: أفلا يدركون أن آباؤهم قد أعملوا فكرهم قبل أن يضعوا قواعد حياتهم، ولذلك يكره الله هؤلاء الناس الذين لا يريدون أن يعيدوا النظر في أسس تفكيرهم ليروا آيات الله في هذا الكون، وفي أنفسهم كذلك، وإعمال العقل يهديهم إلى الإيمان ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ 43﴾ سورة العنكبوت، وما جاء الرسول من العلم هُوَ الْهُدَى، وهذا العلم هو نقيض الجهل، وأما من ظل على كفره فهو الجاهل الرافض للعلم والمعرفة، والجاحد الكافر بالإيمان، المعرض عن الوحي المسطر في كتاب معجز من السماء، قال تعالى: ﴿يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتٰبٍ مُّنِيرٍ 8 ﴾ سورة الحج. <br />والفهم العقلي للحقيقية لا يكفي وحده، إذا لم يتبعه الفهم والاتباع العملي، كالتاجر الذي يسعى خلف المصلحة والمكسب المجدي، ولهذا استخدم القرآن لبيان مفهوم الجدوى والفوز والربح بمصطلح التجارة مع الله تعالى، وهذا ما ذكره «شارل توراي» عام 1892م بصورة مفصلة، لأن العلاقة مع الله علاقة تجارية خيِّرة، يقول «توراي» في دراسته: «من الصعب أن يتصور المرء لاهوتًا أكثر دقة رياضية - ودقة الرياضيات تفترض العقلانية - وهذا بالطبع لا يعني أن كل الأشياء، في هدي العقيدة القرآنية، تدرك بالعقل، فكثير منها لا يبلغه العقل، وهذه بالذات آية من آيات الله على قدرته وعلى إحاطة علمه، وهذه الأشياء التي لا قبل للعقل البشري أن يدركها بقوته وحدها، يكشف الله للناس عن بعض منها بواسطة أنبيائه، أما باقيها فيظل إلى الأبد في عالم الغيب، ومهمة العقل هي أن يفهم صدق ما تقوله رسالات الرسل عن المجهول الذي لا طاقة له على معرفته، وأن يدرك أيضًا أن مصلحته هي في إطاعة تعاليم رسله عليهم السلام.<br />وفكرة الإيمان تظل على صلة مباشرة بالاقتناع العقلي، وآية ذلك أن كافرين ظلوا دهرًا طويلًا على كفرهم، فأنزل الله عليهم من آياته مصائب مدمرة حاقت بهم، عقاباً على إهمال عقولهم لحقائق الوجود والحق والإيمان، والقرآن يقدم حججًا عقلانية تدلل على أنه ينبغي الإيمان بهذا الوحي وتصديقه، لأن الاعتقاد الديني الأصيل يجب أن يبنى على البراهين القديمة والأدلة الصحيحة، لا على تقليد الآباء والأخذ بظنونهم وأوهامهم، وميزة الإسلام أنه يأمر أتباعه أن لا يسلموا بأي مذهب لا يقوم عليه دليل، وأن لا ينقادوا للأوهام والوساوس.<br />يقول الإمام محمد عبده في «رسالة التوحيد»: كان «علم الكلام» أو «علم التوحيد» كعلم يبحث في وجود الله ووحدانيته وصفاته وحقيقة الرسالة النبوية، كان هذا العلم معروفًا عند الأمم قبل الإسلام، ولكنهم قلما كانوا ينحون فيه نحو الدليل العقلي، فكان علماؤهم يتذرعون بالبينات الفائقة للطبيعة أو الخارجة عنها، بـ«المعجزات» أو «الخرافات» أو «الخطابيات»، ولما جاء القرآن غيّر ذلك كله، فبين بصورة لا تضارع «ما أذن الله لنا، وما أوجب علينا أن نعلم، لكن لم يطلب التسليم به لمجرد أنه جاء بحكايته، بل ادعى وبرهن وحكى مذاهب المخالفين وكر عليها بالحجة» وبالاختصار، أقام العقل حكمًا فاصلًا في إقرار اليقين، وبنى أحكامه الخلقية على أسس عقلية، وهكذا «تآخى العقل والدين لأول مرة في كتاب مقدس على لسان نبي مرسل، بتصريح لا يقبل التأويل» فتقرر لدى المسلمين أن العقل لا غنى عنه في التسليم بالكثير من المعتقدات، كوجود الله، وإرسال الرسل، وإدراك فحوى الرسالة، والتصديق بها، وتقرر لديهم أيضًا أن من هذه المعتقدات ما قد يعلو على الفهم، إلا أنه لا يناقض العقل.<br />ومن مهام العقل في القرآن ولدى الإنسان، أن يعقل سلوك الإنسان عن الخطأ والغلط، وإذا كان هذا الأمر مستحيلاً لعدم عصمة الإنسان، فعلى الأقل أن يجنب نفسه القدر الذي يبرئ الذمة من تعمد الخطأ والغلط، باجتناب الجهل، والكبر، والعناد، والخرافة، والتقليد، ومن مهامه كذلك التأكد من مصداقية الصدق والحق والحقيقة، والاستدلال به على النمو والتزكية والتعرف والتطور والتقدم وتحصيل الخبرات والتجارب الميسرة للحياة، والمطمئنة للضمير، ومن مهامه كذلك تحقيق الجودة والإجادة من خلال الحنف والحنفية، وكذلك التأكد من صحة الأخبار، وما يصل إلى سمعه، وما يراه بصره، ليجتنب التلبيس والخطأ والكذب، ومن مهامه إرشاد حواسه إلى حقائق ما تلمسه وتدركه، ومعرفة الحق من الباطل في إدراكاتها، وتحصيل اليقين والإيمان به والتسليم له. <br />ومن مهام العقل معرفة الواجبات والفروض، والعمل على إحسان أدائها لمستحقيها، والإخلاص فيها لموجبها الله تعالى. <br />بقلم: محمد نبيل كاظم.]]></content:encoded>
						                            <category domain="https://dar-alnajah.com/community/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/">القرآن والسنة</category>                        <dc:creator>محمد نبيل كاظم</dc:creator>
                        <guid isPermaLink="true">https://dar-alnajah.com/community/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/%d9%85%d9%87%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d9%84-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85/</guid>
                    </item>
				                    <item>
                        <title>المحدث الأعظم -عاشق السنة - حبيب الرحمن الأعظمي.</title>
                        <link>https://dar-alnajah.com/community/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ad%d8%af%d8%ab-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b9%d8%b8%d9%85-%d8%b9%d8%a7%d8%b4%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9-%d8%ad%d8%a8%d9%8a%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%ad%d9%85%d9%86/</link>
                        <pubDate>Wed, 05 Jun 2024 08:40:00 +0000</pubDate>
                        <description><![CDATA[المحدث الأعظم حبيب الرحمن الأعظمي مآثره وآثاره: كتبه &quot;سراج الحسن&quot; الباحث بقسم اللغة العربية: وآدابها بجامعة دلهي الهند:أشهد بأنه إن كان في العالم كله أحد يستحق أن يلقب بـ: المحدث الأعظم، فهو...]]></description>
                        <content:encoded><![CDATA[المحدث الأعظم حبيب الرحمن الأعظمي مآثره وآثاره: <br>كتبه "سراج الحسن" الباحث بقسم اللغة العربية: وآدابها بجامعة دلهي الهند:<br>أشهد بأنه إن كان في العالم كله أحد يستحق أن يلقب بـ: المحدث الأعظم، فهو مولانا حبيب الرحمن الأعظمي.<br>(الدكتور عبد الحليم محمود، شيخ الأزهر).<br>مولانا حبيب الرحمن الأعظمي ـ كما رأيت من عمله ـ من أعظم العلماء في هذا العصر،<br>(المحقق المصري الكبير: محمود محمد شاكر).<br>في الحادي عشر من شهر رمضان المبارك عام 1412هـ الموافق السادس عشر من مارس عام 1992م، انتقل العالم المحقق والمحدث الكبير والفقيه المتقن ـ عن 95 عاماً ـ إلى رحمة الله تعالى، بعد أن عاش من أجل العلم والمعرفة ووصل إلى القمة، وخاصَّة في مجال تحقيق كتب الأحاديث النادرة، وإخراجها إلى النور، ووضع مؤلفات كثيرة في مختلف المواضيع الهامة بالعربية والأردية، تشهد له بالفضل والألمعية، اعترف له بها علماء الهند، والبلاد العربية، فعكفوا عليها يدرسونها ويفيدون منها، كما قدرت الهند جهوده فتوجتها بمنحه جائزة الدولة التقديرية في عام 1985م، اعترافاً بخدماته الجليلة في مجال الحديث والعلوم الإسلامية الأخرى.<br>كان هذا العالم الكبير ابن الشيخ مولانا محمد صابر عناية الله الأعظمي، الذي اتصف بالشخصية الوقورة والذكاء الخارق والإيمان القوي بدينه ومذهبه وبكل مقومات الإنسان العبقري، من عقل وموهبة وعمل وجهد واعتداد بالنفس وحافظة قوية، وشغف بتحصيل العلم والإنتاج الغزير.<br>نشأته وثقافته:<br>ولد المحدث حبيب الرحمن الأعظمي سنة 1319هـ/1901م في مدينة مئو، بولاية يوبي بشمال الهند، ونشأ وترعرع في بيت تفيح منه رائحة الدين زكيَّة، ويغلب عليه الجد والتحفظ، حيث أن والده أيضاً كان عالماً من علماء الهند، فكان هذا البيت مدرسته الأولى بل أهم مدرسة تكونت فيها عناصر شخصيته وخلقه وروحه.<br>أتم دراسته الابتدائية ومبادئ العربية والتجويد والخط على أساتذة في بلدته، ثم تتلمذ على كبار العلماء في عصره مثل الشيخ عبد الغفار بن عبد الله، وهو من أجلِّ تلامذة العارف بالله الفقيه المحدث الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي، وتعلم منه اللغة العربية وآدابها، والمنطق، والفقه، والحديث، وكان متفوقاً في دراسته، ثم التحق بدار العلوم ديوبند، فأخذ العلم على العلامة أنور شاه الكشميري، ومولانا سيد أصغر حسين، والمفتي عزيز الرحمن الديوبندي، ومولانا شبِّير أحمد العثماني، ومولانا كريم بش السنبلي في الحديث والتفسير والمنطق والأدب والبيان.<br>وفي عام 1920م لما فرغ من تحصيل العلوم الإسلامية، وحصل على الإجازة من كبار الشيوخ والعلماء في الحديث والتفسير، انتدب لتدريس الأدب العربي والفقه الإسلامي بمدرسة دار العلوم بمدينة مئو، ثم انتقل إلى جامعة مظهر العلوم بمدينة بنارس كرئيس لهيئة التدريس فيها، وفي عام 1349هـ تولى التدريس بمدرسة مفتاح العلوم بمئو وقام بتطوير هذه المدرسة حتى أنشأها نشأة جديدة، وجعلها جامعة للعلوم الإسلامية، وذلك إلى جانب توليه إدارتها، وقد درَّس فيها صحيح البخاري، وسنن الترمذي، لمدة عشرين عاماً، وأيضاً قام بالتدريس لمدة سنة بندوة العلماء في لكنو أيضاً، يدرس فيها البخاري الشريف.<br>رحلاته العلمية:<br>زار مولانا البلاد العربية مرات، إلا أن هدفه من هذه الرحلات لم يكن النزهة أو السياحة وإنما كانت للبحث والتحقيق والإشراف على طباعة ما حققه من مصنف عبد الرزاق، كما سافر إلى الحجاز للحج مرات وزار الكويت ودمشق وصيدا وبعلبك، ثم قام برحلة أخرى إلى حلب وزار اللاذقية وبلاد الشام، وزار البحرين، وقد حوَّل هذه الرحلات إلى حركة فكرية وعلمية ينتفع وينفع بها، فقد استجازه كثير من أهل العلم وأسندوا الحديث عنده واجتمع في هذه الرحلات بعلماء الإسلام من أمثال الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر الأسبق، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ حسن المشاط، والشيخ حسنين محمد مخلوف، والعلامة خيرالدين الزركلي، والشيخ مصطفى الزرقا، ومفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ حسن خالد ـ الذي استقبله في دار الإفتاء استقبالاً حاراً وأهداه تأليفه: (الشهيد في الإسلام).<br>العمل العمومي الاجتماعي:<br>لم يكن مولانا في معزل عن العمل العمومي تماماً، فقد اختاره حزب المؤتمر الهندي لترشيحه لعضوية المجلس التشريعي بولاية اترابراديش لخمس سنوات 1369هـ /1952م، كما كان عضواً لمجلس الشورى بدار العلوم في ديوبند 1953م، إضافة إلى عضويته بجمعية علماء الهند والهيئات العلمية الأخرى في العالم.<br>مآثره وآثاره العلمية:<br>كان مولانا ـ كما قلنا ـ عالماً عبقرياً، وفقيهاً فذاً، ومحدثاً كبيراً، فقد ترك وراءه مؤلفات كثيرة طبعت ونشرت في الهند والبلاد العربية، ومن سوء حظنا لم يطبع بعضها حتى الآن.<br>ثم إننا نستطيع أن نقسم آثاره العلمية إلى أربعة أقسام:<br>أولاً: مقالاته العلمية: التي نشرت في المجلات الأدبية والعلمية الكبرى باللغة الأردية: مثل مجلة المعارف الصادرة في مدينة أعظم كره، ومجلة البرهان الصادرة في دلهي، ومجلة دار العلوم في ديوبند، ومجلة العدل في كوجرانوالا، ومجلة الفرقان في بريلي لكنو، ومجلة البلاغ في بومباي، ومجلة النجم في لكنو.<br>ثانياً: الكتب التي حققها مولانا وقام بالتعليق عليها هي:<br>1 ـ المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، للحافظ بن حجر العسقلاني.<br>ظفر الشيخ بهذا الكتاب بعد جهد جهيد من تركيا، وذلك في صورة نسختين لمخطوطين واحدة منها مجردة والثانية مسندة، فحقَّقه ورتبه وعلق عليه مع تصحيح الألفاظ غير الصحيحة في المجردة، وكتب في الحاشية اللفظ الأكثر صحة في رأيه، وقد تحدث فضيلة الشيخ في هذا الصدد عن الرواة وعلق عليهم، وتوجد مثل هذه التعليقات بوفرة كثيرة، وفي بداية الكتاب مقدمة فيها تذكرة عن الحافظ ابن حجر أحمد بن علي العسقلاني (المتوفى سنة 852هـ ) مؤلف هذا الكتاب ومخطوطاته، ويشمل هذا الكتاب على أربعة مجلدات في أحجام كبيرة، وفي نهاية كل مجلد تحقيق وتعليق على محتويات الكتاب مع ذكر أسماء المراجع التي استعان بها.<br>وموضوع هذا الكتاب هو استعراض لأحاديث ثمانية مسانيد كاملة هي: مسانيد الطياسي، والحميدي، وابن أبي عمر العدني، ومسدد، وابن منيع، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي أسامة، وأضاف إليه من مسند أبي يعلى، ومسند إسحاق بن راهون – لعله مسند ابن راهويه -، فاستخرج الأحاديث الزوائد فيها، على ما في الكتب الستة، ومسند أحمد، ثم رتب تلك الأحاديث على ترتيب الأبواب الفقهية، خلافاً لترتيب المسانيد المستمدة فيها. وهي بذلك تساعد في استنباط الأحكام الفقهية إلى حد كبير.<br>يعد هذا الكتاب أغنى ما ألف من كتب السنة ثروة وأغزرها فائدة، لاحتوائه على زوائد تلك المسانيد الثمانية وعلى شيء كثير من زوائد مسندين آخرين، و لجمعه هذه الأحاديث في مكان واحد على الترتيب الفقهي؛ ما كان مبدداً في ثمانية كتب بل عشرة، من غير مراعاة لهذا الترتيب ولاشتماله في كثير من المواضيع على بيان درجة الحديث من صحة وضعف واتصال وانقطاع.<br>يهم هذا الكتاب كثيراً ذوي العناية بعلم الحديث وذوي الاهتمام بالعلوم الشرعية وهواة الثقافة الدينية، فهو مرجع يعين أولئك، وهؤلاء على تخريج الأحاديث ونقدها، وهو فوق ذلك محاولة لجمع السنة النبوية المطهرة على طريقة تكون سبيلاً لصنع موسوعة حديثية، وقامت بنشر هذا الكتاب وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في الكويت في سنة 1390هـ.<br>2 ـ المسند للحميدي:<br>يعدُّ الحميدي من شيوخ البخاري، وكتابه المسند يعتبر كتاباً ذا قيمة كبيرة في المسانيد، وقد طبعه الشيخ الأعظمي بعد التحقيق والتعليق عليه مع مقدمة جامعة مفيدة، وطبع هذا الكتاب في حيدر أباد في عام1952م.<br>3 ـ الزهد والرقائق، لعبد الله بن المبارك:<br>يعتبر كتاب الزهد والرقائق لعبد الله بن المبارك، المكتوب في القرن الثاني الهجري، من أقدم وأهم الكتب التي ألفت في الزهد والرقائق، كان هذا الكتاب غير مطبوع ولم تكن توجد النسخة الخطية لها إلا في مكتبات معدودة في العالم، فقد نشره فضيلة الشيخ بعد تصحيحه وتحقيقه والتعليق عليه وموازنته بالنسخ المختلفة، وفي بدايته مقدمة علمية جامعة، وفي الكتاب تذكرة عن مؤلف الكتاب ومآثره وكذلك فيه تراجم لرواته، وقد تحدث مولانا في الحواشي والتعليقات عن الاختلاف في النسخ، وتحقيق الرجال والإسناد وشرح الكلمات العربية الصعبة.<br>والكتاب كله يشتمل على 11 جزء و1637 حديثاً، وفي نهاية الكتاب إضافة لزيادات النسخ الأخرى، إنَّ هذا الكتاب تحفة نادرة لذوي العناية بعلم الحديث والعلوم الإسلامية، وقد طبع من مطبعة علمي ماليكاؤب في عام 1965م.<br>4 ـ تعقيبات على تحقيق العلامة أحمد شاكر لمسند الإمام أحمد:<br>نشر هذا الكتاب المحقق المصري الشهير الشيخ أحمد محمد شاكر، مع تعليقات له، فعقب عليه مولانا الأعظمي وصحح النسخ الخطية وزين الحواشي بتعليقاته العلمية الدقيقة، فنالت قبولاً واستحساناً لدى معظم المحققين وعلماء الحديث، واعترفوا له بفضله وتبحره في هذا الفن، وقد أثنى على عمله صاحب التحقيق الأول أحمد شاكر فأرسل إليه ما يأتي:<br>حضرة الأخ العلامة الكبير المحقق الأستاذ حبيب الرحمن الأعظمي:<br>جاءني كتابكم الأول النفيس، أما استدراكاتكم فكلها نفيسة عالية، ولا أقول هذا مجاملة... وأشكركم خالص الشكر على هذه العناية المجيدة، وأرجو أن تزيدوني من إشاراتكم وإرشاداتكم خدمة للسنة النبوية المطهرة، وأنتم كما رأيت من عملكم من أعظم العلماء بها في هذا العصر، فالحمد لله على توفيقكم... ثم أكرر الرجاء أن لا تحرموني من آرائكم النيرة وتحقيقاتكم النفيسة، حفظكم الله وبارك فيكم، أخوكم: أحمد محمد شاكر.<br>5 ـ المصنف للإمام عبد الرزاق:<br>تحقيق مصنف عبد الرزاق من نوادر كتب الحديث وموسوعة فريدة للأحاديث، لم تكن توجد لها نسخة مطبوعة، فقام الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي بالبحث عن نسخة خطية لهذا الكتاب حتى ظفر بها، فقام بالتحقيق فيه والتعليق عليه ونشره في 11 مجلداً، وطبع من مطابع دار القلم في بيروت في عام 1390هـ/1970م.<br>6 ـ تحقيق سنن سعيد بن منصور: في مجلدين، طبع في ماليكاؤن في الهند في عام 1388هـ.<br>7 ـ تحقيق انتقاء الترغيب والترهيب، لابن حجر- طبع في مليكاؤن، الهند عام 1380هـ.<br>8 ـ تحقيق تلخيص خواتم جامع الأصول: للمحدث محمد طاهر الفتني، طبع في ماليكاؤون الهند.<br>9 ـ تحقيق كشف الأستار من زوائد مسند البزار للهيثمي: أربع مجلدات، نشرتها مؤسسة الرسالة بدمشق عام 1399هـ.<br>10 ـ تحقيق كتاب الثقات لابن شاهين:<br>معدٌّ للطبع.<br>11 ـ تحقيق مصنف ابن أبي شيبة:<br>صدر منه إلى الجزء الخامس، نشرتها المكتبة الإمدادية بمكة المكرمة، ولم يكن مقدراً لهذا الكتاب أن يرى النور كاملا، حيث أن الأجل وافاه فحال دون ذلك، (ثم أتمَّ العمل من جديد، واعتمد على نسخ خطية كثيرة مع تصحيحات مهمة واستدراكات نادرة وتخريج للأحاديث المرفوعة، العلامة المحقق المحدث الشيخ محمد عوَّامة حفظه الله).<br>ثالثاً: الكتب المؤلفة بالعربية:<br>1 ـ الحاوي لرجال الطحاوي ـ هذا عمل مبتكر فإنه لم يسبقه أحد إلى التعريف برجال مشكل الآثار.<br>2 ـ الاتحافات السنية بذكرى محدِّثي الحنفية ـ لم يطبع ـ.<br>رابعاً: الكتب الأردية للمؤلف في الرد على المعارضين:<br>1 ـ نصرة الحديث، في الاحتجاج بالحديث والرد على منكري الحديث، (وقد ترجم للعربية وقدم له العلامة المحدث الشيخ محمد عوامة).<br>2 ـ أعيان الحجاج (في مجلدين).<br>3 ـ ركعات التراويح مذيل برد أنوار مصابيح.<br>4 ـ الشارع الحقيقي.<br>5 ـ أحكام النذر لأولياء الله.<br>6 ـ الأعلام المرفوعة في حكم الطلقات المجموعة.<br>7 ـ الأزهار المربوعة في رد الآثار المتبوعة.<br>8 ـ تحقيق أهل الحديث.<br>9 ـ دفع المجادلة عن آية المباهلة.<br>10 ـ إرشاد الثقلين بجواب اتحاد الفريقين.<br>11 ـ التقييد السديد على التفسير الجديد.<br>12 ـ بطال عزا داري.<br>13 ـ تعزية داري.<br>14 ـ دليل الحجاج (رهبر حجاج).<br>15 ـ رد تحقيق الكلام ـ لم يطبع.<br>16 ـ أهل دل كي دل أويز باتير.<br>17 ـ رجال البخاري ـ ألفه بناء على طلب العلامة السيد سليمان الندوي ـ<br>18 ـ دست كار أهل شرف، يؤكد فضيلة الشيخ في هذا الكتاب بأن المعيار الحقيقي لمكسب شرعي وشريف بموجب أحكام الله هو الخوف من الله، والتمسك بصراط رسمه سبحانه وتعالى، ويدحض معايير الشرف التي وضعها الغرب.<br>فضيلة العلامة شاعراً: ومما لا يفوتنا أن نذكر أن الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي كما كان متضلعاً من العلوم الدينية، كذلك كان له إلمام تام ورغبة شديدة بالأشعار الأردية والعربية، فأمامنا رسالة جاءتنا ـ عن طريق الدكتور رشيد الوحيدي ـ من نجله مولانا رشيد أحمد الأعظمي، يخبرنا فيها عن أشعاره التي قرضها باللغة العربية وكذلك بالأردية.<br>يقول رحمه الله تعالى:<br>" يا إقبال، يا شاعر الملة، يا محبوب الأمة، يا فخر الجماعة.<br>ويا مادح خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم.<br>لقد كتبت نعتاً صادقاً رفيع الشأن لطيفاً جداً.<br>نعت النبي صلى الله عليه وسلم.<br>إن هذا النظم يحمس الروح ويقوي الإيمان، لذا أصبح كل واحد يردد صلى الله عليه وسلم.<br>فبارك الله فيك بهذه الموهبة، وأدعو لك أن تستظل بفيء الله، وتنعم بنعمه ويرضى بك هادي العالم صلى الله عليه وسلم.<br>وله أيضاً أبيات في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول:<br>إنه رمز وجود العالم، ونظام لدوران الكواكب.<br>والله؛ إنه مظهر تام لروعة جمال الله.<br>اذكروا معركة البدر، واقرؤا واقعة فتح مكة.<br>فتلك كانت مظهراً لغضب الله، وهذه كانت رحمة لنبيه.<br>إن مكانة الأنبياء كلهم أعلى وأرفع من جميع المخلوقات.<br>ولكنهم كلهم مثل الهلال في السماء، أما نبينا فهو مثل البدر التام.<br>إن أحاديثه المطهرة غذاء للروح، وطمأنينة للنفوس، وكلامه شفاء لمرضى القلوب.<br>إن كلَّ ما أتاني من علم ومعرفة فهو ليس إلا بفضله.<br>فكل ما أقوله وأكتبه هو من فيضه الذي لا ينقطع.<br>عن رابطة علماء سوريا.]]></content:encoded>
						                            <category domain="https://dar-alnajah.com/community/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/">القرآن والسنة</category>                        <dc:creator>محمد نبيل كاظم</dc:creator>
                        <guid isPermaLink="true">https://dar-alnajah.com/community/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ad%d8%af%d8%ab-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b9%d8%b8%d9%85-%d8%b9%d8%a7%d8%b4%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9-%d8%ad%d8%a8%d9%8a%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%ad%d9%85%d9%86/</guid>
                    </item>
				                    <item>
                        <title>السلفية مرحلة مباركة لا مذهب اجتهادي</title>
                        <link>https://dar-alnajah.com/community/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d9%81%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d8%b1%d8%ad%d9%84%d8%a9-%d9%85%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d9%83%d8%a9-%d9%84%d8%a7-%d9%85%d8%b0%d9%87%d8%a8-%d8%a7%d8%ac%d8%aa%d9%87%d8%a7%d8%af%d9%8a/</link>
                        <pubDate>Sun, 28 Aug 2022 12:06:41 +0000</pubDate>
                        <description><![CDATA[بسم الله الرحمن الرحيمتلخيص كتاب &quot; السلفية مرحلة مباركة لا مذهبد. الشيخ سعيد رمضان البوطيالحمد لله رب العالمين، وبعد:  يقصد بكلمة السلف: العصور الأولى – زمن الصحابة والتابعين وتابعي تابعيهم ...]]></description>
                        <content:encoded><![CDATA[بسم الله الرحمن الرحيم<br>تلخيص كتاب " السلفية مرحلة مباركة لا مذهب<br>د. الشيخ سعيد رمضان البوطي<br>الحمد لله رب العالمين، وبعد:  <br>يقصد بكلمة السلف: العصور الأولى – زمن الصحابة والتابعين وتابعي تابعيهم – وهي أولى العصور بالاتباع والاقتداء، لقول النبي فيما رواه ابن مسعود: " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.." واختلف العلماء في شمول ذلك جميع من عاش هذه الفترة، أم تشمل الغالبية، وإن جاز أن يشذ البعض عن هذه الخيرية، كما ذهب إليه ابن عبد البر: (363 – 463) هـ يقدم منهم الصحابة، أولاً، ثم التابعين، ثم تابعي التابعين، ثم بدأ ظهور البدع والمنقصات، وزكى النبي عهده وأصحابه واستثناهم من ذلك بقوله: " ...ما أنا عليه وأصحابي" (الترمذي).  <br>وهذه الحالة والوصف لأنهم أصدق الناس في تلقي الوحي، وأنقى نفوساً، وأفصح لغة ولساناً، في فهم النصوص والقرآن والسنة، لأن لغتهم سليقة فصيحة بها نزل الذكر ونطق بالسنة، من خلال قواعد شرعية وطرق أصولية تعلموها من النبي صلى الله عليه وسلم، فحق للأمة أن تتخذهم نبراساً وأساتذة لفهم الشريعة والاجتهاد فيها، وتقنين الاجتهاد من خلالها، بحيث تلزم الأمة في كل عصورها بهذه القواعد والضوابط التي أقرها رسول الله لأصحابه في الاجتهاد وفهم واستنباط الأحكام، والخلف الذي جاء بعدهم ساروا على طريقة هؤلاء السلف، وأطروا قواعد من سبقهم حتى أصبح علم الفقه السلفي ما عرفته أئمة الفقهاء الأربعة والخمسة والستة، وغيرهم. <br>لكن أن يخترع مفهوم جديد عن السلف في القرون المتتابعة وفي أيامنا هذه غير هذا الأسلوب النبوي الراشدي الصحبوي التابعي، فهو مفهوم يحمل في طياته ابتداع في الدين يأباه السلف والخلف معاً، إذا كان فيه تجاوز لطريق الصحابة والتابعين في فهم النصوص والشريعة، وربما الاختلاف فيها لأسباب تطورية طرأت على المجتمع الإسلامي، بدخول أمم من ملل وقوميات متعددة، لأن الإسلام يوحد الناس على اختلاف عاداتهم وألسنتهم، بمرونته واستيعابه للاختلافات المقبولة بعلل مقبولة، ولو كان صورة واحدة لا غير لما اختلف الصحابة فيما بينهم في كثير من الأمور والأحكام، حتى عرف فيهم مدرستي: أهل الرأي وأهل الحديث، وأخذ كل منهما من الآخر بعض ما لديه من رأي ومن حديث، فكانت المذاهب الأربعة متداخلة في كثير من أحكامها واستنباطاتها، وكان أبي حنيفة أول من قعد قواعد الفقه ومنهج الاجتهاد، كما كان الشافعي أول من قعد أصول الفقه والاستنباط، وكما قعد ابن خلدون علم الاجتماع.<br>الباب الأول:<br>عوامل ظهور المنهج العلمي في الاجتهاد:<br> ميزتان اتصف بهما أصحاب رسول الله صلى الله عيه وسلم: الأولى: السليقة العربية الخالصة.  <br>والثانية: الفطرة النقية التي هذبها وارتقى بها التنزيل الذي شهدوا نزوله، وجبريل ذاهب وقادم إليهم عبر رسول الله.  <br>ولغتهم العالية كفتهم الحيرة في فهم النصوص، وصحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، علمتهم الأخلاق السامية والبعد عن الهوى في تفسير الوحي، فلم يكن لديهم ضعف لغوي، ولا ارتباك نفسي يحيجهم إلى ضوابط في فهم الشرع، - فكانوا يفهموها وهي طائرة كما يقال في المثل – فلم يحتاجوا إلى القياس، وكانوا يسلموا فيما غمض عليهم فهماً له بالإشارة إن لم يكن بالعبارة، وكان انشغالهم بالجهاد أولاً، ورواية الحديث والسيرة ثانياً كافياً لهم عن التوسع في الفقه وقواعده، فحدث هذا بعد رحيلهم في الأجيال اللاحقة من التابعين، وتابعي التابعين، ولقد اكتفى الصحابة الأوائل بسؤال الرسول عن كثير من الأحكام العملية التي احتاجوا إليه، وأجابهم رسول الله عليها، ولم يسألوا عن الغيبيات والمعنويات، لأنها من عالم الروح، وكان الصحابة يتهيبوا سؤال الرسول، فيعجبهم قدوم الأعراب من البادية، لأنهم أكثر جرأة على السؤال. <br>ظروف وعوامل تطوير الاجتهاد: <br>اتساع دائرة الفتح الإسلامي: أدى إلى تطور الحياة من جميع جوانبها: اجتماعياً وعلمياً وعسكرياً، وسياسياً، واقتصادياً.  <br>دخول كثير من أهل الملل والأديان الأخرى في الإسلام، مع ما لديهم من تساؤلات سابقة في الدين، بحاجة إلى من يوضح لهم الفروق بين الإسلام وتساؤلاتهم، سواءً كانت بحسن نية، أو بسوء نية، فاستدعى العلماء أن يعملوا تفكيرهم ليحسنوا الجواب على تساؤلات هؤلاء وتثبيت إيمانهم، أو إزالة شبهاتهم.  <br>انتشار الصحابة في البلاد المفتوحة البعيدة، ليقابلوا أناساً من أقوام متعددة، وثقافات مختلفة، اضطرتهم أن يجيبوهم إلى تساؤلاتهم، ويبينوا أحكام عاداتهم وأعرافهم، ففتح باب الجدل والنقاش والحوار، حيث كان ابن عباس في مكة، وابن عمر وعائشة في المدينة، وابن مسعود في الكوفة، وأبو موسى الأشعري في البصرة، وابن الصامت ومعاذ بن جبل في الشام، وابن العاص وابنه في مصر، ولهذا قال علي: " كلموا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله" (أوقفه البخاري).  <br>انتشار الزندقة وظهور الفرق المبطلة، ولهذا فتح باب الجدل ونما علم " علم الكلام".  <br>ثم تطورت حياة الصحابة المتأخرين، والتابعين من بعدهم، فانتقلوا من حياة البادية والفقر في كل شيء سوى الإيمان، إلى حياة الدعة، والعمران، والصناعات، بكل أشكالها، بعد أن كانوا يأنفون من الأعمال المهنية في ثقافة العرب، لكن دوام الحال من المحال، ففتح الله عليهم الدنيا، كما فتح لهم أبواب الآخرة، فصاروا في الحسنيين، لكن ذلك له ضريبته في الطعام والشراب والمسكن واللباس والأسواق والمال، وفي العلم بعد أن لم يكن لديهم سوى مدونة واحدة هي القرآن، انتشرت العلوم ودواوين الحديث، وأقوال الفقهاء، وسير الأمة والملوك والتاريخ، فكان للدين نصيب من هذا التطوير عبر فقه الأئمة الأعلام ومدارسهم المختلفة. <br>ولقد اضطر علي رضي الله عنه إلى مجادلة قدري في القدر، ومجادلة ابن عباس بعض الخوارج، وجادل ابن مسعود " يزيد بن عميرة" في الإيمان، وخاض التابعي الحسن البصري في مسائل العقيدة، يرد شبهات المتشككين، وأخبر بذلك برسالة " الخليفة عبد الملك بن مروان". <br>المنهج والمشكلة التي تكفل بحلها:<br>بتطور الحياة في المجتمع الإسلامي ظهرت المناخل، لنخل دقيق الخبز، التي رفض بعض الصحابة استعمالها، لأنها ترفه وتنعم زائد لا لزوم له، لأنه من صفات المترفين، فهل استمروا في الإنكار على استعمالها، ومن ذلك لباس الأمراء والخلفاء، وهم يحكمون أناس من مشارب وأمم شتى، أيبقون على لباسهم البدوي والعباءة الصحراوية، أم يجعلون لأنفسهم من أبهة الملك، ما يمكن لهم من الهيبة في قلوب رعاياهم، فأفتى الفقهاء بجواز ذلك لمقاصد شرعية، وأصول الإباحة الأصلية، وكان الاكتفاء بظاهر النصوص أول الأمر كافٍ لبيان الأحكام، لكن بتطور الحياة، وكثرة المشكلات المستجدة والتساؤلات، دفعت الفقهاء لضبط الأمور بقواعد ومنهج يبين الحلال من الحرام، والجائز من المكروه، والمباح وضوابطه، فنشأت الحاجة إلى مناهج علمية في الاجتهاد؛ هي ما نسميه أصول الفقه وقواعده، وهذا ما دفع ابن مسعود رضي الله عنه، أن يبدل رأيه في الاجتهاد بالرأي بعد أن كان يمنعه أول أمره، بعد أن كثرت عليه التساؤلات، ولم تعد النصوص وحدها تكفيه للرد المباشر، فقال: " بالكتاب ثم السنة، ثم فتوى الصالحين، ثم ليجتهد رأيه ولا يقول: إني أخاف" ( أعلام الموقعين 1/57)، فتحول بعد أن كان من النصيين، إلى أهل الرأي والاجتهاد، بسبب تبدل الظروف، ومدرسته في الرأي انتقلت إلى أهل العراق ومشايخ أبي حنيفة.  <br>وكانت المشكلة في الأجوبة على الأسئلة ذات منحيين:  <br>1- صعيد الأسلوب: إما بالإعراض، أو الإنكار، أو تبديد الشبهات.  <br>2- صعيد الموضوعات: من الأحكام، أو الاعتقادات، وخاصة فيما يتعلق بالألوهية والصفات، وخطورة الخوض فيها دون ضوابط تؤدي إلى الهلكة، في حال النفي، أو في حال الإثبات، لأن الله ليس كمثله شيء، فالحذر والضبط مطلوب، لئلا يقع المسلم في التناقض، أو التجسيم المضل، خاصة أن بعض أتباع الملل الأخرى المغرضين أرادوا بلبلة المسلمين وعلماءهم، وقد توسع ابن القيم في كتابه " أعلام الموقعين" في شرح هذه المعضلات، وقسمها إلى:  <br>1- رأي باطل: بمخالفة النص، أو الحكم بالظن، أو تعطيل للصفات، أو إحداثاً لبدعة، أو الاستحسان ظناً.  <br>2- رأي محمود: وهو فهم فقهاء الصحابة، وما أجمعت عليه الأمة، أو ما كان منضبطاً بالنصوص والقياس على أحكام مسبقة ثابتة.  <br>3- رأي اجتهادي ومشتبه: (لم يشرحه في كتابه).  <br>وهذا التقسيم منه غير كافٍ لحسم مسألة الرأي والاجتهاد، لأن الجميع يبتغي معرفة مناط الأحكام وعدم مخالفة النصوص، وهذا لا يتم بمجرد الرأي، بل لا بد من منهج محكم يستوعب الخلاف والاجتهاد سواءً في الاعتقاد، أو الأحكام.  <br>المنهج الجامع:<br>مقدمة: المنهج هو طريقة وقواعد لتمييز الصواب من الخطأ، في الأمور التي تقبل الاجتهاد، وهذا يكتشفه العلماء من الفطرة السليمة، ولا يخترعوه من بنات أفكارهم مباشرة، وهذا المنهج:  <br>1- في فطرة الإنسان بأصل الخلقة، يرصد، ويكتشف، ثم يقعد وليس نتيجة أهواء العلماء أو الناس. <br>2- التأكد والتثبت من صحة إسناد النصوص إلى الشارع. (صحة سند الخبر والمتن).  <br>3- معرفة معنى ومقصد الشارع من مضمون النص (بلغة العرب) النصوص بدقة.  <br>4- عرض المضمون والمعنى على ميزان العقل والمنطق، (دراية ومعرفة) منعاً للتناقض والخلل.  <br>واليوم أكثر الاختلافات المذهبية والتحزبات سببها البعد عن المنهج السليم لفهم نصوص الشريعة، وطرق الاجتهاد، وأولها التساهل أو التعمد في قبول الروايات دون ضوابط محكمة، أو فهم مقعد.  <br>- ولهذا كان الخبر المتواتر: أعلى المرويات صدقاً، لأن العقل لا يمكنه أن ينكر المتواتر بأي حال من الأحوال، وهو عمدة جميع المعتقدات الراسخة عند العقلاء والحكماء.  <br>- أما الخبر الصحيح الآحاد: فهو من أعلى درجات الظن المقبول، الذي يميل إلى الترجيح بقبوله، دون أن يلزمه باليقين به، وتكفير إنكاره، لكنه يقع في فسق رده، لكن خبر الآحاد كافٍ في قبول الأحكام والعمل بها لأنها سلوك يتبع، وليس اعتقاد يلزم، بدليل إرسال النبي آحاد الصحابة إلى البلدان والقبائل لتعليمهم أحكام الشريعة. <br>- أما الخبر الضعيف: وهو ساقط الاعتبار في مجال الاعتقاد، ومجال السلوك، عدا فضائل الأعمال والأخلاق، شرط أن لا يكون مكذوباً أو موضوعاً، (مجرد ضعف في طريقة الوصول والسند).  <br>- (والمعضلة الكبرى): معرفة أحوال وسير الرواة: وقد يسر الله لعلماء الحديث المخلصون في العصور الأولى، ما جمعوه من كتب الجرح والتعديل، المدونة لهذه السير بإسهاب ودقة وتواتر وإجماع، حتى عرف كل راوٍ مسمى، أو مكنى، خدمة لسنة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، لم يوجد مثله في سائر أمم الأرض، وهذا ميزة لمصداق قول الله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) ويعترف خبراء الأمم وعلماؤهم بتميز أمتنا بهذا العلم الرصين، وذلك حفظاً لشريعتنا الغراء من العبث والتحريف.  <br>- (المعضلة الثانية): فهم هذه النصوص واختلاف مناهج الاجتهاد في معرفة معانيها ومقاصدها، وهو ما يسمى (علم الدراية)، وهو يعتمد على ميزان علمي في الفهم قائم على ما يأتي:  <br>(1)- المدخل: وهو ان المنهج المعرفي في الشريعة قائم على: (1): الإخبار أو (2): الإنشاء: ومصدرهما الوحي، وليس التجربة، ولا الأهواء، ولهذا قال الشافعي: " على العالم أن لا يقول إلا من جهة العلم، وجهة العلم الخبر اللازم، والقياس بالدلائل.." (الرسالة)، وقال: " لم يجعل الله لأحد بعد رسول الله أن يقول إلا من جهة علم مضى قبله، وجهة العلم بعده (الكتاب والسنة والإجماع والاثار، وما وصفتُ من القياس عليه" (الرسالة ص 503)، ولهذا أمر القرآن باتباعه، ثم باتباع رسوله، ثم باتباع سبيل المؤمنين، وذكر القرآن كثيراً من الأحكام معللة، وقال لنا: (فاعتبروا يا أولي الأبصار) و (يا أولي الألباب)، وحديث معاذ بالاجتهاد برأيه باب واسع للفهم والتوسع في استنباط الأحكام المناسبة، وبهذا نكون وضعنا أيدينا على أربع طرق في منهج الاجتهاد، وهو (القرآن، والسنة، والإجماع، والقياس)، وبهذا ينقسم العلم إلى:  <br>1- القسم الأول: لا يعذر بجهله عاقل: وهو يشمل كليات الاعتقاد، وبدهيات الفروض، والأحكام، وكل ذلك منصوص عليه في القرآن، بأدلة قطعية الثبوت والدلالة، ولا تحتمل التأويل أو الشك، وهو ما يسمى (ما علم من الدين بالضرورة)، وهو غير قابل للاجتهاد.  <br>2- القسم الثاني: أخبار غير متواترة، وهو ما يقبل الاجتهاد فيه، وهو للعلماء خاصة، والناس تبع لهم، وهو يكفي لإلزام الناس بالتعبد عن طريق هذا العلم، ولو (بغلبة الظن) لأنه يكفي للعمل والاستقامة، مثل: استقبالنا لعين الكعبة بالصلاة (أمر تقريبي)، والحكم بالقضاء بشهادة شاهدين (أمر ظني)، لأن هذه طبيعة البشر في تفكيرهم وحياتهم وسلوكهم، لكن هذا لا يضمن للناس التخلي عن الانصياع للأحكام الظنية بحجة عدم اليقين، لأن حياتنا قائمة على العملية والواقعية في كثير من شؤوننا، ولهذا التعلل برفض الأحكام يوقع صاحبه بالفسوق، وإن لم نحكم عليه بالكفر، ولهذا كلف الله عباده بالمستطاع بقوله: (فاسألوا أهل الذكر).    <br>(2): اللباب: وهو تفسير النصوص بقواعد لغتها المتبعة، وهي:  <br>1- دلالات: أصول معاني الألفاظ: <br> أ- وانقسامها إلى: حقيقة – ومجاز – ومشترك – ومنطوق – ومفهوم – وشروط الاستعمال بعيداً عن معناها الحقيقي المباشر، إلى المعنى المجازي.  <br>ب- درجات الدلالة: كالمحكم – والمفسر – والنص – والظاهر – والخفي – والمشكل – والمجمل، وقواعد الترجيح بين هذه الدلالات.  <br>ج- قواعد انقسام القول إلى خبر وإنشاء، والخبر يدل على الأحكام الوضعية، الدالة على الأحكام التكليفية، والإنشاء يدل على الأحكام التكليفية مباشرة، بصيغة الأمر أو النهي.  <br>د- قواعد انقسام الدلالة إلى خاص، وعام، ومطلق، ومقيد. <br>(3): البيان: أ- عند تعارض الخاص والعام: تتكفل قواعد الاستعمال اللغوي برفع التعارض.  <br>ب- وعند تعارض المطلق والمقيد: قواعد المنطق والتناسق يبين نوع الاستعمال.  <br>ج- وعند الموجبات التي تستدعي التأويل: عربية اللغة تتكفل ببيان هذا التأويل، أو عدم وجوبه.  <br>د- وبيان الغامض من الألفاظ يكون بالقرائن، والأدلة، لتوضيح المراد.  <br>(4): التتمة: وهي المختص المؤهل لاستنباط هذه الأحكام والدلالات، القادر على الاجتهاد حسب الأصول المرعية في الإجازة وما يتمكن به من خبرات وشروط ومؤهلات، مع تقوى الله والخشية من الوقوع في الهوى والتقصير، لمعرفة الحكم المناسب، ويجتمع هذا العلم فيما يعرف بأصول الفقه والاجتهاد.  <br>الاتفاق والاختلاف:<br>مبدأه قواعد تفسير النصوص، واللغويون هم من يختص بالدلالات أولاً، وهي قواعد حيادية، لا علاقة لها بالتشريع، لأنه تواضع لغوي سابق على الشريعة، (كما في جاهلية العرب وشعرهم):  <br>مثال1: الأصل في اللغة واللفظ الحقيقة: والمجاز له مبرراته، ومثل ذلك عند علماء الشريعة، وشيوع الاستعمال المجازي لغة، يجعله حقيقة، مثل: (أكلت من هذه الشجرة)، لا يقصد جذعها وأغصانها، وإنما ثمارها، ومثل: (أكلت من هذا القِدْر) من محتواه، واللفظ الحقيقي مهجور، وقريب منه: (شربت من النهر، ووضعت قدمي في الدار)، وشاع عند الحنفية هذا الاستخدام اللغوي، كما هو عند علماء اللغة (ابن فارس + وابن جني + وسيبويه) ، وهذا يبين طرق تأويل ظاهر النصوص في حال الحاجة إليه، بشرطين: أن يكون قابلاً للتأويل، وإلا امتنع التأويل، والشرط الثاني: وجود دليل يرجح المعنى المرجوح، على الظاهر الراجح، مثل قول العرب: (قامت الحرب على ساق)، فيؤولون الساق بالشدة، (وحمي الوطيس) أي تنور الحرب، وأفاض بذلك صاحب الخصائص، (لابن جني)، وهذا ما سبب اختلاف العلماء بين مكثر أو مقل في استعمال التأويل والمجاز، ولهذا كان هناك نوع من التأويل القريب، الذي لا بد منه، وهناك ما هو أقل وضوحاً من هذا القرب والضرورة. <br>مثال2: الاعتداد بمفهوم المخالفة من عدمه: علماء العربية (سيبويه، وابن الأنباري، والثعالبي، وابن جني، وآخرون، يثبتون مفهوم المخالفة تواتراً، وما ذكره بعضهم تفرداً دون تواتر، فقالوا أنه يفيد الظن، وبعضهم قال: يفيد العلم، وهو غير صحيح، إلا إذا اتصلت به قرائن، واختلفوا فيه إلى: <br>أ‌-	قول الجمهور: أن المخصص المشروط أو الموصوف، دلالته ثابتة على انتفاء الحكم عن غيره. <br>ب‌-	والحنفية وبعض الشافعية (الغزالي- وإمام الحرمين)، التخصيص ليس له حكم في المخالف، ولم يثبت لغة، إلا بقرائن، مثل دلالة ( صيغة الأمر) على الوجوب عند جمهور الفقهاء والمتكلمين، وآخرون قالوا الأمر لا دلالة له على الوجوب إلا بالقرائن. <br>ت‌-	 وحجتهم أن دليل الوجوب يكون بالنقل إذا كان متواتراً، ولم يثبت، لذا لا بد من البحث عن قرائن، لإثبات الوجوب. <br>مثال 3: دلالة صيغة النهي على التحريم، أو البطلان، زيادة على طلب الترك الجازم، أو استحقاق العقاب من الأعلى للأدنى، مثل: أفعال البيع+ النكاح+ الصلاة+ الطلاق، وقرروا أن النهي المتعلق بالفعل لذاته، لا لعارض، مخالفته تستحق مع الإثم (العقاب) والبطلان، أما إذا كان النهي لعارض لا علاقة له بجوهر الفعل، فلا يبطل الفعل، ولكن يستحق الإثم والمساءلة، كمن باع واشترى وقت النهي عنهما عند صلاة الجمعة، أو صلى في أرض المغصوبة، دون اذن صاحبها، وخالف الإمام أحمد والجبائي، فقرروا البطلان، دون بقية الأئمة. <br>مثال4: اتفاقهم على معاني: الخاص، والعام، والمطلق، والمقيد: وأن اللفظ المطلق (يحمل على فرده الكامل)، فلا يشمل الفرد المنقوص، واختلفوا في: <br>أ)- اللفظ العام قطعي العموم، عند الأحناف، ولهذا لا تخصص السنة الظنية قطعي عموم القرآن، إلا بقطعي كالمتواتر، والجمهور يعتبر دلالة العام ظنية، فيجوز تخصيصه بالدليل الظني. <br>ب)- هل القياس والعرف الصحيح، يخصص النص العام؟ بعضهم اعتبره فرعاً لا يقوى على تخصيص الأصل، والجمهور اعتبرهما بحكم النص لأنه من مستلزماته، فيخصص، ويقيد العام، لأنه في هذه الحال أصبح كل منهما حالة تأويل جائزة متبعة مبررة. <br>ما هي أسباب الخلاف؟<br>المنهج نفسه لا يغلق باب الاختلاف، وإنما يتيحه للمجتهدين، لئلا يقع الحرج على المجتهد، ولا على الناس، ولهذا قال النبي: " إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر واحد" (البخاري). <br>ولهذا كان الحكم المنضبط بالقواعد والمنهج سواء وافق أو اختلف، مقبول بالجملة، أما ما لم ينضبط بهذا الاجتهاد والقواعد، ووقع في الجنوح يكون قد شذ ضلالاً أو ابتداعاً، وما يتبعه من الأحكام، سواء في الاعتقاد أو السلوك، والأول يعتبر من أهل السنة والجماعة والسلف، أما الثاني: فهو خارج عن السنة والجماعة. <br>الباب الثاني<br>تطبيقات عملية على المنهج الجامع:<br>مقدمة: منهج وقواعد الاجتهاد التي استقرأها العلماء من القرآن والسنة وطريقة الصحابة في الفهم عن النبي صلى الله عليه وسلم للوحيين، حسب لغة القرآن والعرب الذين نزل الوحي الخاتم فيهم وعليهم، هو الذي اعتمدته الأمة عبر علمائها المجتهدين، وكل من زاغ عن هذا النهج وقع في الزيغ أو الضلال ولا بد، (كمن يبيع أو يشتري الذهب بميزان البصل) م. ن، وهذا ما أوقع من حاد عن هذا النهج السلفي الحقيقي، في طامات عانت منها الأمة، منذ الأيام الأولى لظهور الخوارج (المكفراتية)، ونتائج هذا المنهج هي: <br>أولاً- الاتفاق على أصول كليات الاعتقاد والمبادئ، والأحكام، حسب المنهج المذكور. <br>ثانياً- والاتفاق على ما يعتبر ضلال في الاعتقاد أو الأحكام السلوكية، المؤدي إلى الابتداع، أو الفسوق، أو الكفر حسب درجة المخالفة. <br>ثالثاً- ما يحتمل فهمه أكثر من وجه، حسب قابلية المحل للتفسير والتأويل وتوارد المعاني المتعددة عليه حسب لغة العرب وتعدد المعاني للفظة الواحدة، وعدم الجزم بالظاهر لوحده، لأنه مناقض للعقل ومبادئه، وهذا مقبول ضمن قواعد المنهج الذي ذكرناه، لا يخرج عنه. <br>أولاً- أصول وأحكام لا مجال للاختلاف فيها:<br>1-	اليقين بأن الإسلام هو الدين الخاتم الذي ارتضاه الله لعباده، تؤخذ أصول اعتقاداته، وفقهه وآدابه من الكتاب والسنة وفهم السلف، وأئمة العلم. <br>2-	صفات الله تعالى كلها التي أثبتها لنفسه، قديمة وليست بائنة عنه، بما فيها السمع والبصر والعلم والقدرة والإرادة والكلام. <br>3-	الجزم بأن الله عز وجل لا نظير له ولا شبيه، في ذاته وصفاته وأفعاله، وأن ذلك هو عين وحدانيته بها، وكل ما وصف به نفسه مما ظاهره التشبيه، فإننا ننزهه عن المشابهة لخلقه. <br>4-	اليقين بان كل شيء لا يحدث إلا بخلق الله وإرادته ومشيئته ابتداءً، وتسبب الخلائق والأسباب بمشيئته وإرادته، وقضاء الله وقدره، والقهر والاختيار بإذنه وأمره، وكذلك الهداية أو الضلال. <br>5-	اليقين بأن أهل القبلة الذين توافرت فيهم أركان الإيمان والإسلام، لا يكفر أحدهم بصغيرة ولا بكبيرة، إلا في حال استحلال العصيان وإنكار وجوب الطاعة، واحتمال عفو الله عما دون الكفر وارد برحمته وفضله. <br>6-	اليقين برؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، (زيادة الحسنى)، بلا كيف ولا تحيز، وحجب الكافرين عن هذه النعمة العظيمة. <br>7-	اليقين بعذاب القبر، وسؤال الملكين للأموات كما ذكر في الأحاديث المتعددة، والقرآن، والإيمان بعذاب النار، ونعيم الجنة، والشفاعة لمن أذن الله له بها. <br>8-	وجوب حب السلف، الصحابة، والتابعين، الذين أثنى الله تعالى عليهم، وفضل الخلفاء الراشدين حسب ترتيبهم، ونكف عما شجر بينهم، لغلبة فضائلهم، وتزكية الله لهم، وتفضيلهم على سائر الخلق بعد الأنبياء. <br>9-	اليقين بأن اجتماع كلمة المسلمين واجب وضرورة، والسعي لتحقيقها، والبعد عما يغيبها، واجب جميع المسلمين، والصلاة خلف كل بر وفاجر، وعدم الخروج على أئمة المسلمين، والنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل حال. <br>10- اليقين بما أخبر القرآن والسنة الصحيحة عن أشراط الساعة، كالدجال، ونزول عيسى، وخروج يأجوج ومأجوج، ودابة الأرض، والبعث والنشور. <br>11- اليقين بأن الابتداع في دين الله، مما ليس فيه، ولا تقبله أصوله وفرائضه، ممنوع، سواءً في الاعتقاد، أو السلوك، أو الآداب، وما يتعلق بالمعايش، والأنشطة الدنيوية، يقبل منها ما يوافق أو لا يعارض روح الإسلام ومنطلقاته ومبادئه. <br>12- اليقين بأن الأئمة الأربعة المجتهدين، الذين بذلوا كل ما في وسعهم، لضبط أحكام التشريع، من أصول الشريعة ومصادرها، الذين أجمعت الأمة على قبولهم، والأخذ عنهم، وتقليدهم، ممن لم يرق إلى درجة الاجتهاد، ومن بلغ درجة الاجتهاد يمكنه أن يجتهد حسب الأصول المعتبرة لاجتهاد السلف، بالدليل والبرهان، واتباع مذهب منها، أو ما أجمعوا عليه، أو ما يناسب منها لقوة الدليل ومناسبته، فلا حرج، لأن الأهم المنهجية والتقوى، واجتناب الهوى.  <br>13- اليقين بان دين الله مراتب، سأل عنها جبريل النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور أمام جمع من الصحابة، وهي: الإسلام + الإيمان+ الإحسان+ أشراط الساعة، وأن المسلم إذا لم يعمل على الإيمان والعمل بهذه الأركان نقص من ثباته بقدر تقصيره، ويخشى عليه الفتنة والانحراف، وأن يعصف به الركون للدنيا وشهواتها، فيضل من حيث يظن أنه يحسن، ولهذا كان تحصين ذلك كله بالصدق وإخلاص المجاهدة، وبلوغ مرتبة الإحسان. <br>14- ونقص بعض الاعتقادات العملية، لا يخرج من الملة إذا التزم باقي ما ذكرناه، لأن كمال الإنسان بإيمانه وإسلامه يصعب على من نقصه شيء من العلم والعمل: مثل: إنكار إمامة أبي بكر وعمر، أو القول بأن الإنسان يخلق أفعاله بإرادته، ( بأمر الله) كما عند المعتزلة، وكذلك إنكار مستلزمات مقام الإحسان، كل ذلك لا يكفر، وإن كان قد يؤدي إلى بعض الضلال والفسق والتيه، لأن مجمل الإيمان وأفعال الإسلام وفرائضه تغطي هذا النقص، وتمنع الانحدار به إلى الكفر الكلي المخرج من الملة، ولهذا كان التناصح وعدم التكفير أقوم سبيل للإصلاح والتقريب والتسديد، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم. <br>ثانياً- شذوذ وانحرافات لا ريب في بطلانها<br>  الشذوذ المقصود هنا ليس هو ما نتج عن الخلاف في جزئيات المنهج، لأن هذا يعتبر اختلاف اجتهادي وليس شذوذاً، ولهذا كان المقصود به هنا هو الخروج على المنهج الذي ارتضاه علماء الأمة، مما يؤدي إلى الشذوذ، وهو هنا بدرجات منه، ما يقتضي التفسيق، أو الضلال، أو يصل إلى درجة الكفر، وحين يبلغ إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة، يكون كفراً بواحاً، وما كان خروجاً على قواعد اللغة العربية، فيؤدي إلى الابتداع، أو الفسوق، والعلماء عامة يجنحون إلى اجتناب تكفير الشذوذ قدر الإمكان، لإبقاء جسد الأمة الإسلامية كتلة واحدة، بإحسان الظن بالشاذ، إلا إذا كان يتعمد الشذوذ المكفر الهادم لأسس الملة والمنهج، وذلك من خلال الغلو في الدين، أو الهوى والعصبية، أو الحقد على حملة الدين الأوائل، والتأويل من غير مسوغ. <br>الأول: إدخال كفريات الأديان المحرفة في الإسلام، عصبية وأهواء. <br>الثاني: الغلو في علي وذريته، ونسبة العصمة وخصائص النبوة له لآل البيت، وإنكار إمامة الخلفاء الثلاثة، وانتقاص أو تكفير الصحابة رضوان الله عليهم، واعتقاد بعض مريدي الصوفية العصمة في أشياخهم، وهذا باطل بالكلية، ومن ذلك غلو الخوارج في تكفير مرتكب الكبيرة، والصغيرة، (الأزارقة) ولهذا كفروا علياً رضي الله عنه، و( المرجئة الخلص) قالوا العكس، أن المعاصي والذنوب لا تضر مع الإيمان، منهم (يونس بن عون+ وأبو معاذ التومني+ وبشر المريسي) وهذا كله لا يستند إلا إلى الهوى وضعف العلم والإيمان.<br>والثالث: هو الشذوذات المبنية على تأويل النصوص، وأكثرها في الاعتقادات والعبادات، مثل تأويل آيات الصفات، المؤدي إلى التعطيل بنفي ما نسبه الله لذاته، كنفي اليد، ونفي الاستواء، ونفي المجيء، بحجة تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات والحوادث، بحيث ينكر المعنى الظاهر، وينكر المعنى المؤل، (فيبطل الكلمة ويعطل مدلولها)، ويقابل هذا التعطيل، التجسيم والتشبيه، فيثبت لله ما يماثل مخلوقاته، وهذا باطل لقول الله تعالى: ( ليس كمثله شيء)، فيثبت المجسم لله الجارحة، ويثبت له الجلوس (والحاجة للراحة) ويثبت المجيء مع الحركة والانتقال والحيز والتخطي، (مع أن الكبير المتعال أكبر من كل شيء) فلا تصح هذه الأشياء مع ما هو أصغر وحادث ومخلوق ومحدود، وهذا ما أوقع طرفي (المعطلة والمجسمة) في التناقضات غير المناسبة في حق الله تعالى، ومن ذلك تأويل المعتزلة كلمة (إلى ربها ناظرة) بمنتظرة، وهذا مخالف للغة تماماً، وتأويل لا وجه له، وأول المعتزلة كلمة (حتى نبعث رسولاً) بالعقل، وتحسينه وتقبيحه، ولو لم يكن هناك شرع، وأن الحساب على مقتضى العقل، كالحساب على مقتضى الوحي، (وهذا تأويل باطل) ولهذا كانت تأويلات العقل المجرد، وتأويلات شطح التصوف، غير مقبولة ومردودة، ومن ذلك ما ورد في تفسير الآلوسي نقلاً عن هؤلاء المتصوفة، بأن معنى: (مجمع البحرين): ولاية الشيخ وولاية المريد، و(الصخرة): بالنفس، و(الحوت): القلب المملح بحب الدنيا، و(السفينة): بالشريعة، و(الغلام): النفس الأمارة، وقتله: بسيف الرياضة، ولهذا تصيد المستشرقون أمثال هذه الترهات، لإلصاقها بالفكر الإسلامي الخيالي، ومنهم تسلل الزنادقة، والباطنية، باسم التصوف، للوصول إلى الإباحية، والفكر الحلولي، والتصوف الحقيقي هو لباب الإسلام الذي كان عليه صحابة رسول الله وتابعيهم بإحسان، والانضباط بالمنهج الذي ذكرناه سابقاً، وانظر في تفسير (الإمام القشيري: لطائف الإشارات)، وهو من أئمة التصوف، هل تجد إلا الانضباط التام بالمنهج الذي عليه سلف الأمة وأئمتها، والعابثين بقيم وآداب التصوف الحق، كالعابثين بأحكام الفقه وأحكام الشريعة، كلاهما مبطل محرف مخرف، وسبب هذا:<br> 1- الغلو في تحكيم العقل: على حساب النقل (الخبر)، وهذا ما زلق بالمعتزلة في أفكارهم وتأويلاتهم، لتأثرهم بالفلسفة اليونانية، فجمعوا بين الحقائق والأباطيل والأوهام معاً، ومثلهم اليوم الحداثيون والعلمانيون المتأثرون بحضارة الغرب المادية.<br>2- الغلو في تحكيم العاطفة: والوجدان لدى المتصوفة، فيتجاوزون النصوص إلى تخيلاتهم العاطفية، فيقعوا في أوهام ما أنزل الله بها من دليل ولا سلطان، تحت مسمى أسرار.  <br>ملاحظة:  م. ن. <br>مسائل وآراء خلافية:<br>لا يحق لأحد أن يعتقد أن اجتهاده وحده هو الصواب، وأن الاخرين على خطأ، لأن المنهج نفسه، بقواعده يعطي الحق للمجتهد في الاختلاف، وإبداء رأيه لا في أصل المسألة، وإنما في استنباط الحكم المناسب لها، أو الاختلاف فيه عند التطبيق، لأن ذلك كله هو مجال اليسر والسعة في الشريعة الخاتمة، ولا يحق لأحد أن يبدع الآخرين إذا خالفوه في الاجتهاد، أو التطبيق، ولا أن يسمي نفسه باسم يزكي نفسه ويتميز عن صف الأمة وطريقة السلف في الاجتهاد والخلاف، حسب المعطيات التالية: <br>1-	النصوص المتشابهة (غير المحكمة). كما في آيات الصفات، وأحاديث السلوك. <br>2-	تحديد البدعة وتعريفها، وأحكامها. <br>3-	أبحاث مقام الإحسان (التصوف) ومشكلاته. <br>الأصل الأول: النصوص المتشابهة: تصرف عن أي معنى يثبت لله نداً أو مشابه، كما أنه لا يجوز إنكارها ولا تعطيل دلالتها اللغوية، وتفسر بما ينزه الله عن الشبيه والشريك، والاحتراز من إثبات الجارحة والجسمية له تعالى، فيقال: " استوى على عرشه كما يليق بجلاله، وما نسب إلى نفسه من يد، تليق بألوهيته وجلاله، أو يفسر ذلك بما يقبله القانون المجازي في اللغة، ومقتضى القرائن مع التنزيه، الاستواء: السيطرة، واليد: القوة والقدرة أو الكرم. وكلا التفسيرين يحتاج إلى تأويل لصرفه عن الظاهر المخلوق والمشابهة، والادعاء بأن السلف لم يتأولوا غير صحيح، حيث جاء عن الإمام أحمد قوله: " (وجاء ربك والملك ) بمعنى: وجاء أمر ربك، وجاء في حديث: " ضحك الله الليلة من فعالكما" قصة الأنصاري وإكرامه ضيف رسول الله، (البخاري ومسلم) أول البخاري " الضحك: بالرحمة" (فتح الباري)، وتأويل حماد بن زيد عند البيهقي، نزول الله إلى السماء الدنيا: بإقباله تعالى إلى عباده" وما رواه ابن تيمية عن جعفر الصادق تأويل الوجه (كل شيء هالك إلا وجهه) الدِّين، والضحاك: أنه ذات الله، وابن تيمية أوله بأنه: " جهة الله، ونسبه إلى السلف، (الفتاوى)، ونقل البيهقي وحكى المزني عن الشافعي معنى: ( فثم وجه الله) الوجه الذي وجهكم إليه، وعن مجاهد: قبلة الله، وروى ابن حجر والبغوي: (استوى بمعنى: علا وارتفع، وأنه مذهب أهل السنة، وهذا يجعل لفظة " الوجه" أنها ليست صفة، وذكر القرآن (جاء ربك) بمعنى: جاء أمر ربك، بآية أخرى قوله: ( أو يأتي أمر ربك) 33/ النحل، فالقرآن فسر القرآن. <br>- لا يمكن رمي الصحابة والتابعين الذي أولوا بالبدعة، وكذلك الذين لم يتأولوا، لم يكونوا بحاجة إليه لانشغالهم بالجهاد، ثم لأنهم لم يحتاجوا إليه لعدم وجود العجم بكثرة فيهم، في القرن الأول، وإنما هذا حصل في القرن الثاني، كذلك مذهب الصحابي بحد ذاته ليس حجة على الدوام، وكذلك تهيبهم من التفكير في هذه الأمور ورعاً، وثقافتهم لم يدخلها علوم من الأمم الأخرى، وندرة المتشككين في زمنهم، وإلغاء مدلولات اللغة وقابلية تعدد المعاني لا حجة فيه، بل هو مصادرة على أداة فهم النصوص الشرعية، دون مبرر، بل هو تعسف وجمود، مع اختلاف الدواعي وتبدل الظروف التي مرت على الأمة والتشريع، وقال أبو سليمان الخطابي: " لا ننكر الأحاديث التي فيها ظاهر التشبيه، كما أننا نتأول ما يؤدي إليه، وهذا ما يفعله أئمة أهل اللغة والعلم، كما في حديث: " وضع الله قدمه في النار فأطت" لأنه لا يتصور للصدق قدم، كما في قوله: ( أن لهم قدم صدق عند ربهم) ويقصد به الأعمال الصالحة، فكذلك لا يتصور أن لله قدم أو رجل يضعها في النار، وهو يفعل ما يشاء بأوامره، وليس بجوارح، فيكون المعنى: على أحد معاني اللفظة في العربية، غير تشبيه الله بخلقه، مثل: مجموعة الكفار، أو من بقي منهم للحساب، وروي هذا المعنى عن الحسن، وعند الإمام الطبري الكثير من تفسير آيات الصفات حسب الحاجة وتعدد الرؤى في المنهج الاجتهادي الواحد، لتحقيق مناط التنزيه في التوقف، أو في حال التأويل المنضبط، وكما اختلف السلف في معنى الوجه، اختلف الخلف في مثل ذلك في المتشابهات الأخرى،  <br>الأصل الثاني: البدعة تعريفها وأحكامها: <br>وهي في الأصل تغطي جميع أصول الأحكام من حيث المطابقة لمراد الشارع، فتكون مشروعة، أو مخالفة فتكون غير مشروعة (بدعة)، والمتفق عليه أن الابتداع المذموم في الدين من أخطر المعاصي، قال تعالى: ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) 21/الشورى، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وأن كل بدعة ضلالة، قال الشاطبي: " طريقة مخترعة في الدين، تضاهي الشريعة بقصد المبالغة في التعبد" وهي محرمة، تزيداً أو تحويراً، في العقائد أو العبادات، كاختراع صلاة أو صيام أو حج أو معاملات تناقض ما عرف عنها في الشرع، فهي بدعة وضلالة، ولهذا لا يعتبر تغيير الأعراف والعادات التي كانت سائدة في عصر النبي والصحابة، إذا لم تتعارض مع نص شرعي، من البدع.<br>وكذلك تطبيق مفهوم البدعة على الجزئيات والوقائع التطبيقية الخلافية، وعلى مستحدثات علوم الكلام والمنطق، واستخدام فروعها وعلومها في التفسير والاجتهاد والتطبيقات، دون مناقضة صريح النصوص، فليس من البدع، ومن ذلك القول أن الورق والحبر والغلاف والزخرفة والتنقيط في المصاحف والطباعة لها محدثة مخلوقة، ليس من البدعة، بخلاف القول: " أن كلام الله القديم الأزلي، ومنه الكتب السماوية والقرآن غير مخلوق، فهذا التفريق بينهما ليس من البدعة، وزيادة الأذان يوم الجمعة لإسماع البعداء عن المسجد، - والأذان وسيلة إعلام – كما أحدثه عثمان رضي الله عنه بعد توسع المدينة في عهده، ليس من البدعة، وصلاة العيدين في المساجد الكبيرة، وترك الخروج خارج المدينة – لمشقة- ليس بدعة.<br>ولهذا توقف عمر، وابن عمر، وزيد بن ثابت (من الصحابة )+ سفيان الثوري، والأوزاعي، ومالك، وابن حنبل (من التابعين)، (عن الخوض في القدر والصفات)، بينما تكلم في رد شبهات من يثير الشبهات حولها: علي، وابن عباس، وابن مسعود (صحابة)+ الحسن البصري، وأبو حنيفة، والمحاسبي، وأبو ثور (تابعين)، وحاوروا الخوارج أهل القدر، وورد الموقفين عن أبي حنيفة والشافعي، تحرجاً أو اقتحاماً لذلك، حسب الظروف والحاجة، وزاوية النظر. <br>- أما التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم والصالحين، لم يطرح للنقاش في عهد الصحابة، لكن رويت أحاديث تبرك الصحابة بآثار النبي صلى الله عليه وسلم " عرقه، وشعره، وفضل وضوئه، (الصحيحين) و حديث طلب الأعمى " عثمان بن حنيف" من النبي أن يدعو له لرد بصره (ت+ جه+ ن+ بسند صحيح)، فعلمه النبي كيفية الدعاء والتوسل، " اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد، نبي الرحمة، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه، لتقضى لي، اللهم فشفعه فيَّ" وتوسل عمر بالعباس، لنزول المطر، وجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وطلب منه أن يستسق لأمته، فجاءه في نومه، وأخبره أن يخبر عمر، بأنهم يسقون" (رواه الطبري: بسند صحيح، وابن كثير)، لكن ابن تيمية فرق بين التوسل بالأحياء فأجازه، وبالأموات فمنعه وبدَّعه، وهذا الاختلاف لم يشق صف وحدة المسلمين أيام السلف الأوائل، فينبغي أن لا يشق صفهم ووحدتهم في عهد الخلف كذلك، إذا كانوا متبعين للسلف بصدق وحق، وقد روى (البيهقي، وابن أبي شيبة، والبخاري تعليقاً) أن عبد الله بن عامر لما فتح خراسان، أحرم منها شكراً لله تعالى، وعارضه عثمان رضي الله عنه، وضمن علي الصناع ما في أيديهم، لحفظ حقوق أصحاب (المصنوع) خوف التلاعب والاحتيال، وعارضه كثير من الصحابة والتابعين. <br>ابن تيمية: قال: " السلف والأئمة لم يكرهوا علم الكلام، على إطلاقه، وإنما في حال استخدام غوامضه في مفاهيم الشرع الواضحة، فما يثبت الحق يجوز، وما يحرفه يمنع، وهذا ما فعله الإمام الغزالي، حين استعمله لبيان الحق، وإبطال الباطل، واضرب ابن تيمية في ذلك، فمرة يجيزه ومرة يذمه، مع أنه اشتغل به كثيراً واتقن بعض مبادئه، وخاض في مبادئه ومفاهيمه، وأجاز استعماله لإحقاق الحق، ثم هاجمه دون مبرر، وفعل مثل ذلك في التبحر في علم المنطق والفلسفة، واستخدام مفرداتهما في كتبه، ثم شنع على المشتغلين بهما، وهذا هو التناقض بعينه، أو السهو والنسيان، رحمه الله. <br>- ومن تناقضات ابن تيمية1: أنه لا يكفر من قال: (إن الله ليس بخالق كل شيء) وأنكر على ابن حزم القول بالإجماع في تكفير من أنكر: " أن الله كان ولم يكن شيء غيره" وأثبت القول بوجود ما خلق الله منه الأشياء في القديم والأزل، وكأن الوجود قديمان: الله وغيره. (مادة أزلية خلق الله منها العالم والأشياء) وهذا باطل لم يقل به سوى الدهريون والملحدون، وحجته أن النصوص لم تقل: " بوجود الله وحده" ويتناسى القول : (هو الأول وهو الآخر)، مع أن الله تعالى قال: (الله خالق كل شيء)16/ الرعد، ورد ابن حجر على ابن تيمية في تبنيه لهذا الانحراف العقدي، وابن تيمية رد على نفسه في رسالته (الرد على المناطقة) بقوله: " الرسل مطبقون على أن كل ما سوى الله محدث، مخلوق، كائن بعد أن لم يكن، ليس مع الله شيء قديم بقدمه" (الفتاوى).<br>- ومن تناقضاته2: مخالفة عامة أهل السنة والجماعة، بالقول: أن الأشياء فيها أسباب ذاتية: كقول الفلاسفة، والطبيعيين، وعلماء الإسلام يقولون بقوة خلقها الله فيها، أو أن الله يخلق النتائج عند اجتماع الأسباب والمسببات، يقول: " النار فيها قوة الإحراق، وفي الماء قوة التبريد، وفي العين قوة الإبصار، وفي اللسان قوة التذوق، ويعترض على مالك والشافعي وأحمد لإنكارهم قوة الطبائع والأسباب، وينكر على من ينكر الإشباع بالطعام، والري بالماء، والإنبات بالمطر، ونسبته إلى الله عنده، فيؤيد العلة الأرسطاطاليسية، ونظرية الغريزة، بالفاعلية الذاتية، التي تخلق بنفسها النتائج، بينما يراها علماء الإسلام علة جعلية، (يخلق عندها) وليس بها، مع أن هذا فيه كفر صراح، لأن المادة مهما كانت قوتها لا تخلق، ولا تسبب بذاتها، لأن المخلوق لا يخلق، وأهل السنة يجعلون الخلق لله وحده، واعتقاد أن الأسباب تخلق كفر. <br>والقيومية في الله دائمة أزلية، وأمر الله هو الخالق (كن فيكون) وكثير من الآيات تنسب الأفعال إلى الله، (حملناهم في الجارية) (يحيي ويميت) (باسم الله مجريها) ، (لا عاصم اليوم من أمر الله)، [ واليوم أثبت علماء الغرب أن الحتمية العلمية لا وجود لها، لأن العالم يتغير على الدوام، كما أنه لا يخلو من الطفرات المغايرة، والاقتران العلمي بين الأسباب والمسببات ليس سوى مشاهدة وتكرار وليس حقيقة مؤكدة على الدوام،  وأثر رنين الجرس بحضور الطعام، في تجربة العالم الروسي " بافلوف" وسيل لعاب الكلب ليأكل طعامه، لا رابط بينهما سوى الاقتران، فصوت الجرس لا تأثير له سوى إيهام ترابطي، ونحن كذلك نتوهم تأثير النار في الحرق نتيجة التكرار، دون أن نعرف السبب الحقيقي، سوى هذا الظاهر الغامض في حد ذاته، ولهذا قال تعالى: ( ءأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون؟) ولهذا يصدق قول لبيد الشاعر: " ألا كل شيء ما خلا الله باطل" ، وهذا يلخص الحق الذي ينبغي على المسلم تأييده، بأن الخلق فعل الله وحده] م. ن. <br>الأصل الثالث: التصوف وبحوثه: <br>لا مشاحة في الاصطلاح، إذا أبقي المسمى على جوهر ما يسمى به، ولهذا كان التصوف يتعلق بالركن الثالث من الدين وهو الإحسان، ومضمونه تزكية النفس لتخليصها من رعوناتها، التي تمنعها من مشاهدة الحق وإحسان طاعته، وهذا مبثوث في كثير من آيات القرآن وحكم الحديث النبوي الشريف، وما أثر عن الصحابة وكبار التابعين في هذا الباب مما يسمى الأخلاق وآداب السلوك، وهي تمثل لب الدين وروحه، كما قال ص: " الدين المعاملة – وأقربكم مني مجلساً، أحاسنكم أخلاقاً" شرط أن تكون طريقة هذا الباب، منضبطة بأحكام الشرع وفرائضه، كتاباً وسنة، كما مر معنا في باب الاعتقاد، وباب الفقه، ويحكم هذا الباب ما يحكم ما سبقه، من وجود ثلاثة أوجه للتصوف: الأول متفق عليه ولا مخالف له، والوجه الآخر ممنوع ومتفق على نكارته ومخالفته للشرع باتفاق، وثالث: فيه اجتهاد مرضي من البعض، وله وجه في التأويل والقبول، عند البعض، ووجه آخر منتزع من نفس الأدلة على أنه غير مقبول عند آخرين، وهذا ما ينبغي ان يحكمه ما قلناه فيما سبق، بأن لا يبدع أحد آخرين على قبوله، ولا على رفضه، لأنه مما يحتمله الاجتهاد، ويكفي الاتفاق على المقطوع بحرمته، حتى تضيق دائرة الاختلاف، فتجتمع كلمة الجميع عند الملمات في جهاد أعداء الدين، كما يتاح لمن يقبل أو يرفض حرية الاختيار في طريقة تزكية النفس بما يناسب الشخص وشخصيته وظروفه، فلا يثرب أحد على من وسعته دائرة الإسلام، ومن ذلك: <br>1-	حلقات الذكر في أوقات وأماكن وعلى طريقة: ويستدل المجيزون لها بقوله تعالى: ( الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم) 191/ آل عمران، وهو عموم لا يمنعه إلا إذا تلبس بمنهي عنه، كالرقص والغناء، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وحديث: " لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة..." ومن ذلك ذكر اسم الله المفرد لوحده، وقال ابن تيمية: " إن هذا الفعل قد يزج الذاكر في أوهام الحلول ووحدة الوجود،" (الفتاوى)، لكن أمر الله في القرآن: (واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً) 25/الإنسان، وأمره بذكر الله في النفس، دون تلفظ: قال تعالى: ( واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة، ودون الجهر من القول، بالغدو والآصال، ولا تكن من الغافلين) 205/ الأعراف، وقد يكون بإمرار ذكره أو إحدى صفاته في القلب، ومنع ذلك لا دليل عليه، وتحجير على العمل الصالح، وينتج عنه استهانة المسلمين ببعضهم، واجتهاداتهم، ومع ذلك عارض سعيد بن عمرو البرذعي الشيخ المحاسبي في كتبه وتصوفه، مع التزامه الشديد وانضباطه المشهود له به، ومثله فعل الإمام أحمد تجاه المحاسبي، مع إجلاله له واحترامه لتقواه، وكتب في تزكية النفس، غير المحاسبي، سهل التستري، والجنيد البغدادي، ومعروف الكرخي، ولهذا بعض الفقهاء فرق في الأحكام بين أحكام قضائية، وأحكام ديانية، الأولى على الظاهر، والثانية على الباطن، والخلاف الشديد وقع فيما سمي (حالة الفناء) الناتجة عن الوجد والحالة الشعورية، فينطق بما هو غير مفهوم من الألفاظ، لكن هذا لا علاقة له بما عند بعض الغربيين من فكرة الحلول والاتحاد، ووحدة الوجود بين الخالق والمخلوق، وهذا ظاهره مرفوض، وفسر ذلك ابن تيمية بثلاثة أمور: <br>1- فناء القلب عن إرادة ما سوى الرب: لتحقيق التوحيد الخالص، والإخلاص في التعبد، والتوكل الكامل، للتحقق من بلوغ القلب السليم، والفناء لا ينافي البقاء، للشعور بكليهما معاً، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن" <br>2- فناء القلب عن شهود ما سوى الرب: بالنظر إليه وحده، دون الخلائق، لتحقيق كمال عبادته، وهذا ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، أما من بعدهم فكان يختلط عليهم الأمر بين فناء الإرادة، وفناء الشهود، فيضطربوا بأحوالهم لضعف قلوبهم، دون وعي، كما فعل نسوة يوسف، بجرح أياديهم، وابن عربي وقع في أخطاء كثيرة في كتبه، تمثل (ما يكفر به، لو اعتقده) لكن كتبه طافحة بما يعتبر من الإيمانيات، وأكد أكثر من عالم، على أن الزنادقة دسوا في كتبه الكثير، ولهذا نكل أمره إلى الله، ولا نكفره، كما لم نكفر ابن تيمية بقوله بقدم المادة، وهي من أفكار اليونانية الوثنية، نلتمس له عذراً بأفعاله الكثيرة الصالحة من العلم والعمل، ولهذا لا يقتدى بالصوفية في هذه الأحوال، لأنها كأفعال المجانين، والمجنون غير مكلف.<br>3- فناء عن وجود السوى: فلا يرون لوجود شيء سواه، وأن الكل من مظاهر وتبع وجوده تعالى، وهذا زندقة ظاهرة، وهو القول بالحلولية والاتحادية، عند: ( البلياني+ والتلمساني+ والقونوي+ وآخرون) وهذا كفر صراح، وكان يكفيهم تصديق ظاهر قول الشاعر، كما قال النبي ص: " أصدق كلمة قالها لبيد: " ألا كل شيء ما خلا الله باطل".<br>أما إشكال قول رابعة: " ربي ما عبدتك خوفاً ولا طمعاً، وإنما حباً واستحقاقاً" فهذا لا إشكال فيه بالجملة، فمن ينكر وجوب حب الله دون شروط؟ لأنه عظيم خالق كريم غني...، وهل ما ذكره النبي ص لمعاذ: " أتدري ما حقهم – العباد- عليه إذا فعلوا ذلك – طاعته – قال: " أن لا يعذبهم"، ومع ذلك ليس هناك مسلم يشترط على الله هذا، لأن الله لا يشرط عليه شيء، إن شاء عذب، وإن شاء غفر، لأنه مالك الملك، وعفوه تفضل، لقوله تعالى: (وأنا ربكم فاعبدون)92/الأنبياء، ولقول النبي: " لن يدخل أحدكم عمله الجنة" وفي نهاية ما كتبنا نقول: <br>1- الذين اهتدوا إلى الصراط المستقيم: بضياء الكتاب والسنة، وتحكيم منهج المعرفة الإسلامي، وهم أهل السنة والجماعة. <br>2- الذين تنكبوا هذا الصراط، ووقعوا في الانحرافات، ذلك لأنهم تنكبوا هذا المنهج الذي ذكرناه، وأخلوا بقواعده، وإن زعموا أنهم مستمسكون بالكتاب والسنة، لأن هذين مصادر تشريع، لا يستنبط منهما من غير منهج وقواعد ذكرناها إجمالاً في كتابنا، وكل منحرف قليلاً أو كثيراً يزعم هذا الانتساب، الذي لا يصدق فيه. <br>3- أهل السنة والجماعة، اتفقوا على كم كبير من الأحكام، وإن اختلفوا في بعض الفرعيات، لأن منهجهم (رباني، نبوي، راشدي) فسح لهم هذه المساحة من الاختلاف رحمة بالأمة، وتحقيقاً ليسر وتيسير التشريع، في فهم الشريعة، لاختلاف أحوال الأشخاص، والأزمان، والأماكن.<br>4- بعد أن تعرفنا وعرفنا المنهج المعرفي الإسلامي في الاستنباط وطرقه، لهذا لا مسوغ لأن يتجاوز البعض (سلفية، أو خوارج، او زنادقة، أو حداثيون) هذا المنهج، ويخترعوا للناس ما لم يأذن به الله، لقوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر، إن كنتم لا تعلمون) وكما قال النبي ص: " ما أنا عليه وأصحابي" والخلف والسلف في مظلة هذا المنهج شيء واحد، (أمة الإسلام). <br>5- ميزة السلف الحقيقية: نيلهم مقام الأستاذية، بتتلمذهم على معلمهم النبي صلى الله عليه وسلم، في فهم الكتاب والسنة حسب المنهج الذي أشرنا إليه في كتابنا، ومنهم الإمام الشافعي، والأئمة الأربعة وأقرانهم، حيث ضبطوا استنباطاتهم واستخرجوا فقههم، من فهوم الصحابة الذين زكاهم النبي، وتابعيهم الذين شهدت الأمة لهم بحسن الاتباع، وهذا ما يجعلهم من أوائل أهل الذكر الذين ذكرهم الله في كتابه، وأمر الأمة بالأخذ عنهم، وهم السلف الحقيقي الواجب الاتباع لمناهجهم، المأخوذة عن النبي وأصحابه، واختلافاتهم مضبوطة بالمنهج المذكور نفسه، سواءً كانوا سلفاً أو خلفاً، فالمنهج واحد. <br>الباب الثالث<br>التمذهب بالسلفية بدعة لا يقرها اتباع السلف:<br>- الفرق بين التمذهب والاتباع:<br>اتباع السلف الأوائل في القرون الأولى، وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدين، واجب على المسلم، بنص القرآن، (لتزكية القرآن لهم من المهاجرين والأنصار) و (التابعين لهم بإحسان) وبنصوص السنة، في الأمر باتباعه صلى الله عليه وسلم، وخلفائه الراشدين، وعلماء الصحابة الذين زكاهم النبي وامر بأخذ الدين عنهم، وتزكيته وثنائه على أصحاب القرون الثلاثة، من التابعين بإحسان، هذا هو الاتباع المطلوب الواجب، وهو اتباع منهجي، (علمي) كما بينه القرآن في اتباع والأخذ عن مصادر التشريع: (القرآن+ السنة+ العلماء (أهل الذكر من الصحابة والتابعين وتابعيهم)+ بفهم لغة العرب (قرآنا عربياً)+ العقل (فهماً منضبطاً – ذوي الألباب – يعقلون – وعدم التناقض). <br> أما التمذهب الحقيقي: فهو مدارس الفقه الأولى في القرون الأولى ( الأئمة الأربعة+ أقرانهم من الأئمة غير المدرسيين) + علماء عبر القرون ومشيخات إسلامية في عواصم ودول إسلامية ملتزمة بمثل هذه المناهج ولا تعدو هذه الأفهام للشريعة ومناهجها المؤصلة. <br>أما التمذهب المزيف:  م. ن.   <br>وكما لا نقر تسمية المسلمين (بالمحمديين) لا نقر تسمية المسلمين (بالسلفيين)،  م. ن. <br> م. ن. <br>ولو صحت تسميتهم بالسلفيين، لجاز لغيرهم التسمي بالراشديين، ولآخرين التسمي بالصحابيين، ولتفوقوا عليهم بما لديهم من أوامر وتزكية النبي لهؤلاء، مع أتباه أهل السنة والجماعة، مع اختلافاتهم الاجتهادية لم يسفهوا إخوانهم، وأخذوا من بعضهم البعض، وتتلمذوا على مناهج بعضهم، وكانوا متآلفين أعظم تآلف وحب وأخوة، حتى ابتدع مبتدعة العصور المتأخرة، ما يفتت ويشق صفوف هذه الأخوة وأخلاقها. <br>الدليل على أن التمذهب بالسلفية بدعة:<br>متى ظهر التمذهب بالسلفية؟ <br>عصر السلف الأوائل لم يخلو من أصحاب الملل الأخرى، والزنادقة المسلمين ظاهراً، ومنافقين في الباطن، ولديهم ثقافات من مللهم واممهم السابقة، لكن السلف (صحابة وتابعين) كانوا يميزون هؤلاء ويعرفون ميولهم المنحرفة، فكانوا حذرين منهم، فلا ياخذوا عنهم رواية ولا علم، ولا أفكار، متناقضة مع الإسلام ومصادره وفقهه، وبتأثيرهم خرجت أغلب الفرق الضالة فيما بعد، رافضة، وخوارج، وزنادقة، وقدرية ومرجئة...الخ، لكن السواد الأعظم كانوا من أهل السنة والجماعة والالتزام بالكتاب والسنة، على منهج النبي والخلفاء الراشدين وعلماء الصحابة والتابعين بإحسان، وكانت طريقتهم التوفيق الدقيق بين مقتضى النقل والعقل، وهؤلاء السلف الصالح لم يجعلوا من أنفسهم مذهباً واحداً مسمى لهم ولأتباعهم، وإنما كانوا عصراً ذهبياً للإسلام وفقهه، ونشره بين الناس، دون تحزب ولا غلو ولا إفراط ولا تفريط، وإنما وسطية وصفهم بها الله تعالى في محكم كتابه، وكان الالتزام بالمنهج الاجتهادي للأئمة الأعلام وأقرانهم، هو المعتمد عند سواد الأمة الأعظم في كل أقطار الأرض، دون أن يسمع أحد بمذهب يسمى " السلفية" واستمر هذا أربعة عشر قرناً، والمسلمون جسداً واحداً، ومدرسة واحدة بفروعها الاجتهادية، وعلمائها المتحابين المتتلمذين على بعضهم البعض. <br>الجواب على سؤال متى ظهرت السلفية المعاصرة؟: ظهرت في ظل الاستعمار البريطاني للعالم الإسلامي، وظهور حركات تجديد غير سديدة، على يد جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، في مصر، وظهور نشاط صوفي قائم على الخرافات والتسلية والشعوذة، واللهو والمرح الديني، بالرقص والغناء والإباحية أحياناً، مع جمود علماء الأزهر برسوم وطقوس لا روح فيها ولا حمية، وانقسم الناس بين متوجه لتقليد الغرب، ومتوجه للإسلام النقي من البدع والشعوذة كما زعم محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، والكواكبي (الشيعي) ورفعوا شعار السلفية، للتجديد، وافتوا بفتاوى جريئة تخالف الإسلام ونصوصه: مثل: (قليل من الربا لا يضر+ وذبائح النصارى حلال على أي صورة + ولبس القبعة الأوربية + ونحت التماثيل لا ضير فيه، وتفسير النصوص بالآراء الشاذة، والمصلحة، والهوى، وان طير أبابيل – مرض الجدري- واتخذ البعض: مجلات سلفية، والمطبعة السلفية، (محب الدين الخطيب) وساعد هذه المقولات انتشار المذهب الوهابي في الجزيرة العربية، (1115- 1206هـ - 1703- 1792م) وكلا الحركتين المصرية والوهابية كانتا بتشجيع وإيحاءات الإنجليز، في البلدين، وكان محمد عبده في أول أمره متحمساً للإسلام وذا غيرة على مبادئه، وبعد رجوعه من المنفى تبدل حاله، وأصبح ينطق بما يريده الغرب من التغريب للعالم الإسلامي، مع إلباسه عباءة الإسلام الفضفاضة، والحقيقة راجت كلمة السلفية بديلاً عن كلمة الوهابية، للإيحاء بأن مقولاته من السلف البعيد.<br>التمذهب بالسلفية بدعة: لأن الذي راج في السلف الأول للتمايز عن الرافضة والفرق الضالة، (أهل السنة والجماعة)، وكأن مطلقيها أرادوا أن ينزعوا من أهل الإسلام وصف أهل السنة والجماعة، بكلمة سلفية، ليبطلوا فقه الأمة لدى الأئمة، بحجة أنه لم يكن عند الصحابة مذاهب، والسلفية المعاصرة اليومية، حددت صوراً من الاعتقادات، وصوراً من الفتاوى، لتكون هي معيار الانتماء المذهبي لشيوخهم المحدثين، المتنصلين من فقه الأئمة الأربعة، والنظر إليهم على أن اجتهاداتهم بالأهواء، وليس بالدليل (كتاب وسنة) وهذا باطل أشد البطلان، كما رأينا في مناهج الأئمة والتابعين، مع إظهار بعض المظاهر الصارخة في اللباس واللحية والسمت وادعاء التوحيد، وتكفير كل من خالفهم، أو تبديعهم، على أدنى خلاف، حتى لو كان في إظهار البسملة، أو القول بزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، أو الاحتفال بذكرى المولد النبوي، أو إخراج صدقة الفطر قيمة، أو رفع اليدين في الدعاء، أو إضافة أذان يوم الجمعة، وكثير من القضايا والفتاوى التي لها ما يعاكسها من فتاوى أخرى دون أن يكون ذلك سبباً للتسلف والفرقة. <br>آثار بدعة السلفية وأضرارها:<br>مقدمة: كما أن الأنانية يمكن أن تكون فردية، فيمكن أن تكون جماعية بالعنصرية، أو الحزبية، أو التمذهب: 1- ضرب وحدة المسلمين، وتقسيمهم إلى مؤمن ومشرك أو مبتدع، وقد حكى لي كثير من وفود رابطة العالم الإسلامي للدعاة، من جميع الأقطار، أن مشكلتهم الرئيسة ما زرعه السلفية من خصومات في أقطارهم، مما دفع بالسلطات الأجنبية إلى أغلاق بعض المساجد بهذا السبب. <br>وفي بعض البلدان اتهم القائمون على الدعوة بانهم قبوريون مشركون متوسلون، وهم ينافحون عن الإسلام، ويؤدون خمس صلوات في اليوم في بلدان نصارى أو هندوس، وماذا على السلفيين، إذا نصحوا للأمة بآرائهم حتى الشاذة دون ان ينفصلوا عن الآخرين ويبدعوهم، فنبقى جسد إسلامي واحد، ولا نكون كالخوارج، الذين قتلوا من المسلمين، ما لم يقتلوا من أهل الشرك والأعداء.<br>2- الخطر الثاني: إمداد التيارات اليسارية والعلمانية بمبررات نبذ الإسلام كله، لأنهم حاولوا تطبيق مبدأ الجدلية المادية، والتطور الديالكتيكي على نشأة مثل هذه الحركات النشاز لضرب الإسلام برمته، فساعد السلفية دون وعي منهم هؤلاء على الاصطياد بالماء العكر، متوقعين ومبشرين بزوال الإسلام والدين من حياتنا، وهذا هراء هراء، لكن مكن السلفية لهؤلاء الرافضين للإسلام أرضية محاربته ونبذه، وخروج السلفية عن فقه الأئمة، ساعد اليمين واليسار على التقول في الإسلام دون حجة ولا برهان، شأن السلفية تماماً، لكن مجموع الأمة عرف أن هذه النزعة السلفية نزعة تطفلية، ليس ذات جذور في السيرة، ولا في منهج السلف الحقيقي الصالح.<br>خاتمة: بعض آراء السلفية واجتهاداتهم موجودة في تيار الفقه العام، مع وجود فتاوى أخرى معاكسة أو مختلفة، لكنها ليست سبباً للتنازع والبغضاء والحرب الشرسة التي صنعوها بسبب هذه الاختلافات التي أقرها الفقهاء لبعضهم البعض، بكل رحابة صدر وود، ونعلم أن الأحكام نوعان، أحدها محكم لا يختلف فيها اثنان، وأخرى اجتهادية لا يمكن أن تكون إلا متعددة في أحكامها، وإلا لكانت محكمة، وهذا ما لم يقره القرآن، حيث بين (المحكم) وبين (المتشابه)، والاجتهاد في الثاني دون الأول، وكان الأجدر بهؤلاء أن يبدؤا فقهاً وعملاً واجتهاداً من حيث انتهى من سبقهم بالفقه والعمل والاجتهاد، دون أن يكفروا أو يبدعوا أو يضللوا أحداً، إلا في مجالس العلم التي يستوعب ما فيها كبار طلاب العلم، وليس صغارهم والعوام، الذين لا يميزون بين الاجتهاد المصيب، والاجتهاد المختل الخطأ، والله المستعان، والسلام. <br>انتهى تلخيصه 28/8/2022م.]]></content:encoded>
						                            <category domain="https://dar-alnajah.com/community/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/">القرآن والسنة</category>                        <dc:creator>محمد نبيل كاظم</dc:creator>
                        <guid isPermaLink="true">https://dar-alnajah.com/community/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d9%81%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d8%b1%d8%ad%d9%84%d8%a9-%d9%85%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d9%83%d8%a9-%d9%84%d8%a7-%d9%85%d8%b0%d9%87%d8%a8-%d8%a7%d8%ac%d8%aa%d9%87%d8%a7%d8%af%d9%8a/</guid>
                    </item>
				                    <item>
                        <title>عدالة ديننا الرائع</title>
                        <link>https://dar-alnajah.com/community/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/%d8%b9%d8%af%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%af%d9%8a%d9%86%d9%86%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d8%b9/</link>
                        <pubDate>Tue, 24 Aug 2021 17:40:34 +0000</pubDate>
                        <description><![CDATA[عدالة ديننا الرائع إضاءة بقلم: الدكتور عثمان قدري مكانسي سرق طعمة بن أبيرق درعاً وخبأها عند يهودي  - ظاناً أنه سيستردها بعد أن ييئس أصحابها من العثور عليها - وطعمة من قوم الأنصار أظهر الإسلا...]]></description>
                        <content:encoded><![CDATA[عدالة ديننا الرائع <br>إضاءة بقلم: الدكتور عثمان قدري مكانسي <br>سرق طعمة بن أبيرق درعاً وخبأها عند يهودي  - ظاناً أنه سيستردها بعد أن ييئس أصحابها من العثور عليها - وطعمة من قوم الأنصار أظهر الإسلام، هرب  بعد هذه الحادثة وارتدّ.   <br> فلما رأوا الدرع عند اليهودي، أنكر اليهودي أنها له، وأنكرها طعمة بدوره ورمى بها اليهودي، وحلف طعمة أنه ما سرقها، وقام قومه - وهم عالمون بسَرِقته - يدافعون عنه، ويسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن يبرّئ ساحته، فَنَزَلَ على الحبيب المصطفى هذه الآيات الكريمة، ليحكم بين الناس جميعاً بالحق والعدل الذي جاءه من الله تعالى، فلا يدافعَ عن السارق أبيرق، بل يستغفرُ الله تعالى لما همّ به، ونهاه أن يجادل عن الذين يخونون أنفسهم بالمعاصي لأن وبال خيانتهم عليهم، والله لا يحب الخيانة وأصحابها، بل يعاقب الخائن.:<br>  قال تعالى: ( إنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا، وَاسْتَغْفِرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا، وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا، يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ، وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ، وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108)) النساء <br>أما قومه الذين استحيَوا من الناس، وخافوهم ولم يستحيُوا من الله ولم يخافوه، فبيتوا ما لا يرضى من القول والفعل، وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يدافع عن أبيرق، وان ينفي السرقة عنه، وحلفوا كذباً وبهتاناً ورمَوُا اليهودي بما ليس فيه، فإن الله تعالى عليم بهم، لقد أساءوا التصرف حين دافعوا ظلماً وزوراً عن قريبهم، ونسوا أو تناسَوا أن الله لا يرضى الظلم، فلئن دافعوا عنه في الدنيا، فمن يجرؤ على ذلك يوم القيامة في حضرة الله تعالى؟ ومن الذي يدافع عنهم إذا عذبهم جزاء افترائهم وعدولهم عن الحق؟ <br>قال تعالى: (هَا أَنتُمْ هَؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً، وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا، وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (112)) النساء.  <br>ثم يدعوهم سبحانه وتعالى إلى التوبة عما فعلوا قبل أن يدهمهم الموت وهم على ظلمهم، فالله سبحانه يقبل توبة التائبين، ويعفو عن المخطئين، فهو أرحم الراحمين،  وما يفعله الإنسان يحاسب عليه إن شراً فشر، وإن خيراً فخير، ولا يضر أحدٌ إلا نفسه، ومن فضل الله تعالى على النبي صلى الله عليه وسلم أنْ حفظه من مكر المنافقين الذين أظهروا الإسلام وأضمروا الكفر وأرادوا التلبيس على النبي صلى الله عليه وسلم، ولن يستطيعوا ضرر النبي صلى الله عليه وسلم، فالله معه يرعاه ويحفظه ويسدد قوله وفعله، وهذه بعض أفضال الله الكثيرة على الحبيب المصطفى: قال تعالى: ( وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (107)) النساء.  <br>ما يستفاد من هذه القصة القرآنيّة:<br>1-	حين ينتشر الإسلام وتقوى شوكته  يظهر النفاق، إذ يتظاهر بعض الكفار بالإيمان لأسباب عدة، منها :<br>أ‌- الحفاظ على المكانة السابقة للمرء قبل الإسلام. <br>ب‌- ونيلُ المكاسب المتوقعة من مجاراة المؤمنين.<br>ت‌- وإبعادُ العيون عن الماكرين ومكرِهم بالدعوة وأهلها.<br>ث‌- واهتبالُ الفرص المناسبة للانقضاض على الدعوة من مكمنها. <br>ج‌- والتعرفُ على ما يفعله المؤمنون عن كثب دون إثارة الشبهات.<br><br>2- النفاق سمة إنسانية لا بد من وجودها، فالناس ليسوا على مستوىً واحد من الإخلاص أو الفهم والعقل والدراية، وتفعل المادية فعلها في الإنسان إذا ضعف إيمانه، وفكّر في حاضره الفاني غافلاً عن حياته المستقبلية الأبدية.<br>3- إن ضعف الإيمان تُواكبه الأنانية القاصرة التي تجعل صاحبه يتصرف بهواه بعيداً عن التدبر والتفكر في العاقبة، وقد تجعله يقع في المحظور فينكشفُ المستور، ويظهر على حقيقته، وهذا ما حصل للمنافق طعمة بن أبيرق، الذي سرق الدرع، واتهم بها اليهودي حين افتضح أمرُه، ثم هرب إلى مكة مستجيراً بالكفار، ثم ارتد ارتداداً كاملاً عن الإسلام ومات في منفاه الإرادي بعيداً عن  المدينة المنورة .<br>4- قد يدافع عن الظالم أهلوه بوعي ودون وعي، أما دون وعي فللحمية التي تتسارع في نفوسهم تجاه قريبهم ومن يلوذ بهم، فيقعون في الخطأ الكبير (مجافاةُ الحق ووأدُ نوره )، والعصبيةُ الجاهلية تعمي القلوب وتطفئ نور العقول، فينقلبُ الحق باطلاً والباطل حقاً، وأما عن وعي فلأن العربي الجاهلي جبل على نصرة أخيه ظالماً ومظلوماً ، فالحق في عرفه يتجلى في الدفاع عن ابن قبيلته والالتفاف حوله مهما كانت الدوافع والأسباب.<br>5- وجاء الإسلام يامر بنصرة الأخ ظالماً أو مظلوماً بالطريقة الصحيحة وتحري العدل وابتغاءِ الحق حين قال المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما يرويه أنس بن مالك رضي الله عنه : " انصر أخاك ظالما أو مظلوما . فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟ قال: تحجُزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصرُه " فلا مكان للعصبية المقيتة ولا القرابة المادية في حياة المسلم إذا منعه ذلك عن التزام الحق والوقوف في صفه. <br>6- وينبه القرآنُ من ينحرف عن الصواب - ويجانبه فيقف في صف الباطل -إلى أنّ الموقف الذي يُرضي الله تعالى هو التخلي عن الهوى  والميلُ إلى الحق الذي قامت به السموات والأرض، ولن ينفع الإنسانَ حين يقف بين يدي الله تعالى إلا العدلُ والحق والميل إليهما : (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون(101)) المؤمنون، فبماذا يتساءلون يا رب؟ وبماذا يوزنون ؟ ( فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (102)) المؤمنون، فالعمل الصالح هو الميزان السليم يوم الحساب، وهو الذي ينجي صاحبه، وليست التكتلاتُ القائمة على المصالح المؤقتة والمادية المتقطعة ! . <br>فما نهاية هؤلاء إن جهلوا وحادوا عن الصراط المستقيم ؛ يا رب؟ يأتي الجواب سريعاً ( ومن خفت موازينه، فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون (103)) المؤمنون، إنه الخلود في النار .. قد يخسر الإنسان ماله وأرضه وأهلـَه فيعوضهم ، أما أن يخسر نفسه ؟ ..إن هذا لهُوَ الخسران المبين .<br>7- قد يكون للأصحاب والأتباع تأثير على تغيّر وِجهة الحكم ، وقد يميل القاضي – تحت ضغطهم وإلحاحهم، أو الثقة بهم –  عن الحق ، درى أم لم يدْرِ، وهذا أمر خطير لا ينبغي أن يفوت المسؤولَ أو الحاكم ، وإلا هلك وأهلك من معه باجتناب الحق وعدم التحرّي عنه، والإسلام ما جاء إلا لإقامة العدل وإحياء الناس حياة طيبة تقوم على أساس من العدل قويم، وثباتٍ من الحق متين.  <br>8- وقد يكون الحق إلى جانب من نكرهه ويكرهنا ، فلا ينبغي أن يأمرَنا كرهُه بظلمه ، او إلى التغاضي عن الوصول إلى الحق ، فالظلم مرتعه وخيم، والظلم يَزيد الإحَن ويدعو إلى التنافر، فيزيدُ الشقة بيننا وبين الآخرين، والداعية حريص على إحقاق الحق والإحسان إلى الناس، هذا الإحسان يجعل الكاره محباً والعدوَّ صديقاً،<br>                           أحسن إلى الناس تستعبد قلوبَهُمُ ... فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ <br>ألم يقل الله تعالى ( ادفعْ بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌّ حميم ٌ(34)) فصلت، ثم أعقبها بقوله تعالى مبيناً أن العادل يكسب الكثير، وأنه الرابح الحقيقي لصبره ورفيعِ سلوكه وحسنِ تصرفه (وما يلقّاها إلا الذين صبروا، وما يُلقّاها إلا ذو حظ عظيم (35)) فصلت، إن العدل أساس الملك، وفي تاريخنا وسيرة نبينا وسيَر عظمائنا الكثيرُ من هذه المواقف المشرقة التي عضَّدت رجحانَ الرحمة والعدلِ ونصرةِ المظلوم  .<br>9- هرب طعمة بن أبيرق إلى الأعداء حين لم يرض الخضوع للحق والتزامَ السبيل القويم ، فاستُقبل بالحفاوة والإكرام - في مكة - أول الأمر، فلما استنفدوا منه أغراضهم طردوه شر طِردة، ويقول المفسرون: إن المرأة التي استقبلته في بيتها حملت أغراضه ورمت بها في الطريق، وهذا درسٌ كبير يستفيد منه ذوو الأحلام  وأولو الأبصار .. أفلا يرعوى من يبيع شرفه ودينه للعدو – هذه الأيام في بلادنا قاطبة – من ذلك المصير الذي ينتظرهم ، ألا يُحِسون وهم يمالئون أعداء الله أن العدو نفسه يحتقرهم – وهو يتعامل معهم – كما يحتقرهم أبناء بلدهم وشعوبُهم ؟! وربما أكثر، وأنهم أداة رخيصة سرعان ما يُلقي بها في مزابل النسيان ويتخلص منهم حين يستنفد غرضه منهم ؟. <br>10- كما أن العودة عن الخطأ فضيلةٌ والتوبة تَجُبّ ما قبلها " (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا (110)) النساء، وهذا من سماحة الإسلام الذي يقر بضعف الإنسان " وخُلق الإنسانُ ضعيفاً " ويقبل توبته إن أخلصها  وأعلن ندمه ، وأقر بخطئه  واعتذر عن إساءاته ، فالله غفور رحيم ، والإسلام دين السماح ، يُقيل العثـَرة ويعفو عن زلل التائبين، ويقبل في رحابه العائدين المقبلين عليه . <br>11- كما أن الله تعالى يحفظ الدعاة ويسدد خطاهم  كما فعل سبحانه حين أراد قوم الأبيرق استدراج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الدفاع عن السارق الأنصاري والعدولِ به عن الحق ، فأرسل جبريلَ بهذه الآيات يوضح الموقف  ويدفع إلى التصرف السليم . <br>12- وقد يقول بعضهم: إن الله تعالى يسدد بالوحي تصرُّفَ النبي صلى الله عليه وسلم ويصوبه، فكيف وقد انتهى الوحي فكيف يسدد خطا الدعاة ؟ والجوابُ أن دراسة سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ودراسة القرآن الكريم  والأحاديثِ الشريفة والتمكنَ من الفقه وأقوالِ السلف الصالح مع الإخلاص في النية زادُ الداعية وضياؤه في طريق الدعوة ، ومن أحب الله تعالى وأقبل عليه أقبل الله عليه وهيّاً له أسباب الهدى والرشاد ورزقه السداد والنجاح في مسعاه، وهذا التوفيق الإلهي فضلٌ على الدعاة يشعرون به في حياتهم ويأرِزون إليه في مَهمتهم:<br>أحبب إلهك، فالسناءُ سـماتـُه          وهو الجميـل لكل خير قد حـــــــوى<br>من كان حبُّ الـله نسـغَ فـؤاده          فإلى الجلال إلى الكمـال قد انضوى<br>لا الحبُّ يَذويه ويؤذيه بل السـ         عـْدُ الـدوامُ لمـَن أفـاء ومــــــن أوى<br>يا رب، أنت الحب، أنت ضياؤه       من عاش في نور الهداية ما غـــوى</span>]]></content:encoded>
						                            <category domain="https://dar-alnajah.com/community/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/">القرآن والسنة</category>                        <dc:creator>محمد نبيل كاظم</dc:creator>
                        <guid isPermaLink="true">https://dar-alnajah.com/community/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/%d8%b9%d8%af%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%af%d9%8a%d9%86%d9%86%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d8%b9/</guid>
                    </item>
				                    <item>
                        <title>افتراق الناس بعد بعثة النبي والنجاة</title>
                        <link>https://dar-alnajah.com/community/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/%d8%a7%d9%81%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d9%82-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a7%d8%b3-%d8%a8%d8%b9%d8%af-%d8%a8%d8%b9%d8%ab%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%ac%d8%a7%d8%a9/</link>
                        <pubDate>Mon, 21 Sep 2020 10:45:35 +0000</pubDate>
                        <description><![CDATA[افتراق الناس بعد بعثة النبي والنجاةقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ...]]></description>
                        <content:encoded><![CDATA[افتراق الناس بعد بعثة النبي والنجاة<br>قد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي. وفي بعض الروايات: هي الجماعة. رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم.<br><br>أولاً- افترقت اليهود إلى هذا العدد وانتهى أمر افتراقها ببعثة عيسى عليه السلام، وافترقت النصارى إلى هذا العدد وانتهى أمر افتراقها ببعثة النبي صلى الله عليه وسلـم.<br>ثانياً- وافتراق هذه الأمة كما قال النبي ص، هي أمة الدعوة، وليس أمة الإجابة بدليل، قوله ص: " هذه الأمة " ولم يقل سيفترق المسلمون، على غرار ما قال قبلاً بافتراق اليهود والنصارى، وإنما قال هذه الأمة، ولو كان المقصود المسلمون لذكر اسمهم، أو قال: أمتي، وهو لم يقل هذا ولا ذاك، وذكر في حديث آخر قوله ص: " لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة يهودي أو نصراني ولم يؤمن بي إلا دخل النار، فيكون السياق، واللفظ، أنه من ولد بعد بعثته، ومن كان أثناءها، من اليهود والنصارى والمشركين، وجميع الأمم، هؤلاء سينقسمون إلى أكثر من انقسام اليهود والنصارى في زمن اليهودية والنصرانية، والناجي هم المسلمون فقط، لذا قال حينما سئل من هم؟: من كان على ما أنا عليه واصحابي من التوحيد والإسلام، ولهذا جميع الفرق الإسلامية المشتركة بالتوحيد والإيمان بأصول الدين وأركانه فهي ناجية، والاختلاف في الفروع وفيما عدا كليات الأصول، لا يخرج من الملة، وإنما يبقي أصحابها ضمن الفرقة الناجية.<br>ولهذا ذكر بعض أهل العلم أن المراد بالأمة فيه أمة الدعوة، لا أمة الإجابة، يعني أن الأمة التي دعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان بالله والإقرار بوحدانيته هي المفترقة إلى تلك الفرق، وأن أمة الإجابة هي الفرقة الناجية، يريد بها من آمن بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم<br><br>وقد استحسن الصنعاني هذا التفسير، لكن الحديث نص على أن الأمة ستفترق، وهذا يعني أنه حديث عن المستقبل، وهذا يتلاءم مع كون المراد أمة الدعوة، لأن اليهود والنصارى هم من أمة الدعوة بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلـم، فلم يبق إلا أن المقصود بالنجاة أمة الإجابة فقط وهم جميع من ينطبق عليه وصف الإسلام، ومن يخرج عن هذا الوصف من المسلمين أو غيرهم في زمن البعثة الخاتمة، سوف يكون خروجه مشكلاً لفرقة من الفرق.<br>ولكي نحدد مواقع المختلفين في كل زمان، لا بد من وضع ضابط نستطيع به أن نعرف هذه الفرق من غيرها، إذ ليس كل اختلاف بين المسلمين يُدخلهم في هذه الفرق، كما هو الحال في هذه الأيام، إذا حصل اختلاف بين المسلمين في وسائل الدعوة إلى الله، وطريقة تحصيل العلم الشرعي وفقه الواقع، فكل هذا ليس مما نحن بصدده من تعيين الفرق المذكورة في الحديث، وقد ذكر المباركفوري في شرحه على سنن الترمذي ضابط الداخلين في هذه الفرق، والخارجين منها، فقال: (قال العلقمي: قال: شيخنا: ألف الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي، في شرح هذا الحديث كتاباً قال فيه: قد علم أصحاب المقالات أنه صلى الله عليه وسلم لم يُرد بالفرق المذمومة المختلفين في فروع الفقه، من أبواب الحلال والحرام، وإنما قصد بالذم من خالف أهل الحق في أصول التوحيد، وفي تقدير الخير والشر، وفي شروط النبوة والرسالة، وفي موالاة الصحابة، وما جرى مجرى هذه الأبواب، لأن المختلفين فيها قد كفر بعضهم بعضاً، بخلاف النوع الأول، فإنهم اختلفوا فيه من غير تكفير ولا تقسيم للمخالف فيه، فيرجع تأويل الحديث في افتراق الأمة إلى هذا النوع من الخلاف. انظر تحفة الأحوذي والله أعلم.<br><br>فكلمة الأمة في الحديث: ستفترق أمتي... تعني أمة التبليغ لا أمة الاستجابة، وأمة التبليغ كل الناس الذين يملؤون رحب الأرض بعد بعثة رسول الله، ومن المعلوم أنهم ينتمون إلى مذاهب وأديان شتى، والإسلام واحد منها، وعلى هذا فالمسلمون على اختلاف فرقهم ومذاهبهم هم الفرقة الواحدة الناجية؟ بارك الله فيكم.<br>وذكر بعض أهل العلم أن المراد بالأمة فيه أمة الدعوة لا أمة الإجابة يعني أن الأمة التي دعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان بالله والإقرار بوحدانيته هي المفترقة إلى تلك الفرق، وأن أمة الإجابة هي الفرقة الناجية يريد بها من آمن بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلـم.]]></content:encoded>
						                            <category domain="https://dar-alnajah.com/community/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/">القرآن والسنة</category>                        <dc:creator>محمد نبيل كاظم</dc:creator>
                        <guid isPermaLink="true">https://dar-alnajah.com/community/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/%d8%a7%d9%81%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d9%82-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a7%d8%b3-%d8%a8%d8%b9%d8%af-%d8%a8%d8%b9%d8%ab%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%ac%d8%a7%d8%a9/</guid>
                    </item>
				                    <item>
                        <title>تأملات في آية قرآنية</title>
                        <link>https://dar-alnajah.com/community/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/%d8%aa%d8%a3%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a2%d9%8a%d8%a9-%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86%d9%8a%d8%a9/</link>
                        <pubDate>Wed, 04 Mar 2020 19:26:29 +0000</pubDate>
                        <description><![CDATA[تأملات في آية قرآنية
(قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ)51/التوبة
ما الذي يجعلنا نشعر بالطمأنينة حين قراءة هذه الآية؟ الجواب:
1- فلنقف على كلمة (قل): ...]]></description>
                        <content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center"><span style="font-size: 14pt;color: #ff0000"><strong>تأملات في آية قرآنية</strong></span></p>
<p style="text-align: center">(قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ)51/التوبة</p>
<p style="text-align: right">ما الذي يجعلنا نشعر بالطمأنينة حين قراءة هذه الآية؟ الجواب:</p>
<p style="text-align: right">1- فلنقف على كلمة (قل): إذا اضطرتنا أحداث الحياة ومفاجآتها إلى مواجهة حدث أو مصيبة ما، مهما يكن صغيراً أو كبيراً، فللوهلة الأولى نشعر بضعفنا ومحدودية إمكانية مواجهته، مهما كنا نملك من أدوات ووسائل، لأن حاجتنا إلى المساندة والمؤازرة بحد ذاتها أمام أي حدث صغير ولو شوكة أو لسعة بعوضة، أو حدث كبير لا سمح الله، هو إظهار لضعفنا البشري أمام المتغيرات غير المرغوبة، والمؤذية والضارة، وفي هذه الحالة التي تستدعي المساندة، يأتينا محامي عنا ومدافع من غير أي مساومة أو أجر، ليقول لنا عبدي لا تخف، أنا مولاك وخالقك وناصرك، لن يؤذيك أحد أو يتسلط عليك تجبراً دون إذن مني، فلا تخف، أنا معك وبجانبك وبيدي إيقاف الشر الذي تخافه، أنا الله الكبير، فقط أطلب منك أن ترفع صوتك بلا خوف ولا وجل، أمام أعدائك ومن تخافهم، فقط عليك أن توكلني بدور المحاماة عنك ودور الحماية، وذلك لا يتطلب منك سوى كلمة إقرار لي بأن أحامي عنك، وأن توكلني بذلك فأكون محاميك وكذلك القاضي الذي يحكم لك، إن كنت تخاف قضاة غيري، فقل: ما يلي:...<br />2- (لن): بعد توكيلي بالدفاع عنك، أطلب منك أن لا تجعل لأي مخلوق أو حدث، سلطان خوف على قلبك، لئلا تشعر بالضعف أمام ما هو ضعيف من مصائب الدنيا، لأنها مخلوقات مقننة بسنن محددة لا تقهر عبداً إذا استسلم لي وسلم بقدرتي المطلقة، فأنت عبدي المكرم، والأحداث والحوادث مهما تكن فهي شظايا الابتلاء، يردعها حفظي وملائكتي عنك وعن إخافتك، إذا قويت عزيمتك بي وبجبروتي، لن ولن تفعل شيئاً لإذلالك أو قهرك إذا كنت معي بقلبك، فقل هذه الكلمة السريعة القوية: لن...فإنها ستغلق باب قلبك أمام الانهيار، وتجعلك في رحاب العزة والاستظهار، وأنا ظهيرك وناصرك، فاثبت.<br />3- (يصيبنا): لأني أنا الله محاميك وطبيبك وشافيك ومعينك ورازقك...أطلب منك أن تستبعد أثر المصيبة عليك بمفردك، لأنك لست وحدك، ولست فرداً، أنت عبدي وأنا معك، فاجعل نداءك جمعاً لأنك لست ذرة في مهب ريح الحياة، أنت عبدي بسمعك وبصرك ويداك ورجلاك ورأسك وقدميك وقلبك وكبدك، فأنت جمع الجمع، ولست خلية أحادية التركيب حتى تخيفك حوادث الحياة وشراذمها، أنت الجمع، والأذى مفرد غير مركب، أنا معك، فارفع صوتك بكل جوارحك، واجعلها تنطق بلغة الجمع والفريق: (لن يصيبنا)....<br />4- (إلا): استثناء في الإدراك يا عبدي: لأن كل ذرات الكون تخدم مشروع عبوديتك لي، ولهذا بعض هذه الذرات والأسباب، تخرج عن سيطرتك حين تتحرك في كوني العريض، بشيء من الخطأ أو انحرف بوصلتك إلي، فتغضب منك، أو عليك، لتردك إلى صواب طريق الصواب، فهي استثناء من السن بسنن، فلا تخف منها، فإنها بقدر مني وابتلاء، وهي ليست سوى استثناء، فكم ضاقت بك الأشياء وأنت صغير أو كبير، ثم رضخت لك واستجابت لتكون مسخرة لك، وهذه التي تشكو منها الآن فهي مأمورة وبقدر، وبقدري.<br />5- (ما): لغير العاقل من أحداث وحوادث ومصائب، لا تعقل في حركتها تجاهك، وأنت الذي تملك العقل والتحكم، فاجعلها تمر، ولا تضخم الشعور بأثرها، لأن ما لا يميتك لن يميتك، وما لا يضرك، لن يضرك، لأن النتائج محكومة بقدري وإذني، وإذا أردتَ أن تجعل أثرها ضئيلاً، فاجعلها صغائر الحياة، واحسب كم بقي لك من قوة ومن إرادة ومن مال ومن قدرة ومن أهل وعشيرة وملاذ، وانظر إلى منْ يصَّبُ عليه عذابُ الله فيحيط به إحاطة كاملة، لا يستطيع الفرار منه بالكلية، فأنت، وأنت تتنفس ولك بقية حياة، فأنت القوي بما لديك طالما أن الحدث مضى وسيمضي، فاجعل أثره غمضة عين، بما بقي لديك، بقي لديك ومعك الكثير الكثير....<br />6- (كتب): هذا الذي حدث مكتوب في لوح محفوظ، مقدر مسجل بكل حيثياته السببية منذ الأزل يوم أمِرَ القلم بكتابة المقادير، وهو من علم الله وقدره، فلا تيأس عبدي المبجل، هذا الذي حدث سنة، فابحث عن أسبابه ومغزاه، لعلك نسيت شيئاً من وسائط الوقاية والحماية والمدافعة، فأنا علَّمت أباك الأول في السماء عندما كنت ذرة في ظهره، كل الأسماء والأشياء، ليدفع بعضها ببعض، فلا تصطدم أنت بكوكب أو كويكب، لأن لكل شيء مسار، والحوادث هي انخرام في مسارات المسير، وبعضها يكون من غير فعلك، لكنك حدتَ ومن معك من الناس عن الانصياع لمنهجي، فجاء الحدث ليقول لك ولغيرك كفوا عن هذا الطريق، وقد لا تكون أنت السبب المباشر، لكن أنت مخلوق اجتماعي له أثر وتأثير، وكائنات السمع والبصر والجوارح لديك مشتركة في فعل الأحداث تأثراً وتأثيراً، فاطمئن إلى ما قُدِّر ولا تجزع، إن مع العسر يسراً ومع الضيق فرج بإذني.<br />7-(الله): اسمي هذا كافٍ أن يجعلك في اطمئنان كامل، إذا نطقت به بقلبك قبل لسانك، لا يشاركني فيه مخلوق، عبدي اجعلني بينك وبين المخلوقات جميعاً، وستجد نفسك في ركن قوي متين، لا تخشى أحداً غيري، مهما عظمت المصائب، فهي أشياء هزيلة إلا جانب ما أنت تتمتع به من قوة الإيمان بخالقك الذي هو أنا الله القادر القدير، واعلم أن روحك لن يصلها مكروه وأنت معي، فروحك علمها عندي وحدي، فهل يصل إليها غيري، حتى لو تحول جسدك إلى غبار أو تراب كما هو أصله، ستبقى روحك في مأمن، لأن لا أحد يصل إلى روحك غيري، حتى لو فارقت الحياة، ستكون روحك في مأمن لدي، لأني كتبت أن لا يعلم سرها أحد غيري، وأنت بروحك لا بجسدك إنسان، وأنت عبدي لوحدي، طالما استصغرت المخلوقات كلها إلى جانب عظمتي وقدرتي، انطق باسمي، أو اجعله في سويداء قلبك وسترى برد اليقين مع كل أحداث الدنيا ومصائبها، لأن المصيبة الحقيقية أن تضل طريق الخلاص إلي، وإلى جنتي التي عرضها السموات والأرض، قل: الله، وكفى....<br />8- (لنا): عبدي وأنت جمع الجمع في جوارحك كلها، كتب وسيكتب لكل منها نصيبه من العمل منها وفيها، في هذا الكون الكبير المسخر لك ولها، فلا تنظر إلى ما يحدث منك ومنها وفيك وفيها، على أنه خسارة أو فشل، بل هو لك ولها فلاح ونجاح بالصبر على لأواء الحياة وتصاريفها، ليكون دورك معها دور الراصد للمخالفات السننية، لتحيد عن طريق التقصير والهروب من تحمل مسؤولية الأمانة التي كلفتك بحملها في هذه الدار – الدنيا – التي هي صغيرة بكل المقاييس المادية الكونية، والكبيرة بكل المقاييس الأخلاقية الروحية، لتعبر منها وبها إلى دار المقر والإقامة الدائمة ودار السلام، فسجل كل ما يعتريك من مصائب، إذا لم تكن متسبباً فيها أو مقصراً، في سجل حسناتك، وإن كنت كذلك فلا تحزن فإن باب التوبة لا يغلق في وجهك أبداً فسارع بتوبتك، لتغيير رصيدك من الحدث إلى صالحك، حيث تبدل السيئات إلى حسنات بالرجوع عنها والتوبة، فتصبح في سجل حسناتك وعملك، حيث يجزى الصابرون برفقة الصبور، والتائبون برفقة التواب سبحانه، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فلا تجزع، فهي لك، ولجوارحك، ولهذا قل: لنا...لنا، والله المعين التواب لمن تاب، والأواب لمن إليه آب.<br />9- (هو): عبدي إذا واجهتك الدنيا بأسرها، والكون بكل ما فيه، من سطوة وسلطة، فلا تنسى أني خالقك وموجدك، وحاميك والمدافع عنك، ويكفيك ان تقول لكل هؤلاء مشيراً إلي " هو" الذي خلقني ووهبني الحياة والوجود، وهو الذي رزقني ويرزقني، بل كل ما لدي مما أخاف عليه فإنه في يد مالكي، وهو قدري بتقديره وعلمه، كلمة هو العائدة إلى الله، تختزل نداء العابد للمعبود، ونداء الضعيف للقوي، ونداء الخائف إلى من لا يخيفه شيء بجنابه وحضرته وحضوره، إنه هو وكفى.....<br />10- (مولانا): وما أعظمه من تلطف من الصانع بمصنوعه، الذي صنعه بيديه، وأسجد له أعظم مخلوقاته بعد الرسل الملائكة الكرام، والمولى: المحب، والنصير، والوكيل، والناصح، والمدافع، ونسبته إلى نا المتكلم، يجعله في إطار الحب الذي لا يوازيه أي علاقة بين مخلوق وآخر، كما هو بين الله وعبده الذي تكفل له بالحماية والعناية والتكريم، تجعل العبد وهو يعبر عن هذا الحب اللصيق بقلبه حباً يحمل معانٍ متعددة من الولاء من العبد لمولاه، حتى أنه في قمة مشغلته بمصيبته، لا ينسى أن ينادي منقذه وحاميه ورازقه بهذه الكلمة الودودة مولانا، ليكون ولاء جميع جوارحه وكيانه بكل مفرداتها من سمع وبصر وجوارح ونعم وممتلكاتٍ تنادي بلسان صاحبها بالنيابة عنها جميعها (مولانا)، فما أعظم هذا الولاء، وما أجمل هذا الحب، وما أروع هذه العبودية.<br />11- (وأخيراً): دار القضاء، ومحكمة السماء، لا تظلم عبداً طائعاً أو مذنباً، لأنها محكمة إلهية، وعدالة سماوية، ورحمة ربانية، لا تفرط في حق محق، ولا تظلم مظلوماً ولا ظالماً، والكل في رحابها سواء، ومن يتقدم إليها بطلب صادق للرحمة والعدالة لا يخيب له رجاء.</p>
<p style="text-align: right">تأملات بقلم: محمد نبيل كاظم.</p>]]></content:encoded>
						                            <category domain="https://dar-alnajah.com/community/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/">القرآن والسنة</category>                        <dc:creator>محمد نبيل كاظم</dc:creator>
                        <guid isPermaLink="true">https://dar-alnajah.com/community/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/%d8%aa%d8%a3%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a2%d9%8a%d8%a9-%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86%d9%8a%d8%a9/</guid>
                    </item>
				                    <item>
                        <title>تأملات في سورة التحريم</title>
                        <link>https://dar-alnajah.com/community/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/%d8%aa%d8%a3%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ad%d8%b1%d9%8a%d9%85/</link>
                        <pubDate>Sat, 12 Oct 2019 07:58:11 +0000</pubDate>
                        <description><![CDATA[تأملات في سورة التحريم
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة التحريم: سورة أسرية في العلاقات الزوجية بامتياز، وأشخاصها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجاته الطاهرات أمهات المؤمنين، يكشف الله ال...]]></description>
                        <content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center"><span style="font-size: 14pt;color: #ff0000"><strong>تأملات في سورة التحريم</strong></span></p>
<p style="text-align: center">بسم الله الرحمن الرحيم</p>
<p style="text-align: right">سورة التحريم: سورة أسرية في العلاقات الزوجية بامتياز، وأشخاصها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجاته الطاهرات أمهات المؤمنين، يكشف الله الستر الواجب في هذه العلاقات الأسرية التي ينبغي أن تبقى أسراراً بين الرجل وأهله، من أجل دوام الحب، والعشرة الطيبة القائمة على تجاوز الهفوات السلوكية بين الذكر والانثى، التي تصدر عن الطبع والجنس، لقوله تعالى: (وليس الذكر كالأنثى)، فلكلٍ مشاعر مختلفة، وغيرة مختلفة، وهذا هو سبب نزول السورة، حينما غارت عائشة وحفصة، من رجوع النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من مرة من بيت زوجته (زينب) متناولاً عندها عسلاً، فغارت عائشة وحفصة رضي الله عنهما لرجوعه من عند زينب مشبعاً بحلواء العسل، ولا يوجد عندهن، فاتفقتا على ذكر رائحة نبتة المغافير التي قد يحط عليه النحل، منه صلى الله عليه وسلم لئلا يطول مكثه عندها، فحلف النبي أو تعهد أن لا يأكله بعدها، فنزلت السورة، وتضمنت التوجيهات التالية:<br />1- أن التحريم في المحرمات إلهي وليس بشري، ولا من النبي صلى الله عليه وسلـم.<br />2- أن ترضي الزوجات لا يتم بتحريم أو تحليل ما حرم الله أو أحله.<br />3- المغفرة والتسامح بين الأزواج والناس أصل، لأن الله غفور رحيم.<br />4- حكم اليمين غير المرغوب في حال الحنث الكفارة، (تحلة أيمانكم).<br />5- أصل الحب بين الناس والأزواج هو حب الله أولاً (والله مولاكم).<br />6- أسر النبي إلى إحداهن أن لا تخبر زوجاته بأمر فأخبرت به فتحدث عن شطر الخبر ولم يتمه لئلا يثير غيرتهن على بعض، لأن الزوج الذكي يتجاوز في أمور النساء لأن تفكيرهن مشاعري أكثر منه واقعي، وهذا ما يحصن العلاقات الزوجية، من دقق مع النساء أخرب بيته.<br />7- توجه خطاب الله إلى نساء النبي وغيرهن بالأولى بسرعة التوبة والاعتذار من الأخطاء والذنوب للحفاظ على التماسك الأسري ، (لأن الاصرار على العتاب يخرِّب البيوت).<br />8- بيان لكل امرأة تتحالف مع غيرها: ضرة أو أهلها أو أقارب ضد زوجها، فإن الله وملائكته والمؤمنين مع الرجل الصالح، لتصفية عقل المرأة من أي ظن خاطئ بأنها يمكنها السيطرة على زوجها بما ذكر.<br />9- مع كل هذا مدح القرآن النبي وزوجات النبي جميعاً بوصفهن (أزواجك) لأن القرآن لا يصف العلاقة المأ زومة أو الناقصة بكلمة زوجية كما في قوله: ( وامرأة نوح) و(امرأة لوط)، (وامرأة فرعون)، بينما كل ما ذكر في القرآن من علاقة زوجية صالحة بلفظ ( وأصلحنا له زوجه).<br />10- التحذير من الطلاق لأسباب تافهة، وأمر الله بتحصين الأسرة وأفرادها من عذاب الله والنار، إذا كثرت المعاصي والخلافات المدمرة للأخلاق والتفاهم.<br />11- لا يقبل الاعتذار يوم القيامة من الكفار، والمؤمنين يعتذرون من بعضهم ومن الله في الدنيا، ويقبل الله توبتهم وبهذا يتجاوز عن ذنوبهم ويغفرها لهم.<br />12- لا يخزي الله النبي ولا يخزي المؤمنين معه، وزوجاته (هن ممن معه)، يوم القيامة.<br />13- المجاهدة الحقة للكفار والمنافقين، والمؤمنة الحقة تقتدي بآسيا امرأة فرعون، ومريم بنت عمران أم عيسى عليهما السلام، وطاعة الله ورسوله والدخول تحت مسمى ( القانتين) نجاة.<br />هذه باختصار تأملات سريعة في هذه السورة الرائعة من كتاب الله تعالى والله أعلم.</p>
<p style="text-align: right"><br />بقلم: محمد نبيل كاظم.</p>]]></content:encoded>
						                            <category domain="https://dar-alnajah.com/community/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/">القرآن والسنة</category>                        <dc:creator>محمد نبيل كاظم</dc:creator>
                        <guid isPermaLink="true">https://dar-alnajah.com/community/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/%d8%aa%d8%a3%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ad%d8%b1%d9%8a%d9%85/</guid>
                    </item>
				                    <item>
                        <title>كيف على النصارى قراءة القرآن؟</title>
                        <link>https://dar-alnajah.com/community/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b5%d8%a7%d8%b1%d9%89-%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86%d8%9f/</link>
                        <pubDate>Tue, 20 Jul 2010 10:46:11 +0000</pubDate>
                        <description><![CDATA[القرآن وفهم الإنجيل..رؤية نصرانية19-07-2010بودمانترجمة: أمل خيري/إسلام أون لايناتفق المفسرون في بيان مقصود الآيات الواردة في سورة المائدة والتي تصف النصارى-أتباع عيسى عليه السلام– على أنهم أ...]]></description>
                        <content:encoded><![CDATA[القرآن وفهم الإنجيل..رؤية نصرانية19-07-2010بودمانترجمة: أمل خيري/إسلام أون لايناتفق المفسرون في بيان مقصود الآيات الواردة في سورة المائدة والتي تصف النصارى-أتباع عيسى عليه السلام– على أنهم أقرب الأمم للمسلمين في المودة، وأسمع لدعوتهم الحقة، وإن كانوا يتباينون في سبب نزولها، ومدى عموميتها من خصوصيتها.بعضهم رأى أن هذه الآيات تخص طائفة معينة من النصارى ممن سمعوا القرآن الكريم؛ فعلموا أنه الحق فأسلموا، وبعضهم يوسع من مدلول الآيات ليشمل جميع النصارى؛ سواء من آمن منهم بدين الإسلام أو ظل على دينه لكنه آمن بصدق القرآن.وعلى أساس الرأي الثاني يطرح ويتبنى بودمان- الأستاذ المساعد في الدين المقارن بمعهد أوستن للدراسات اللاهوتية بتكساس- رؤيته حول النصارى وقراءة القرآن في دراسة بعنوان "قراءة القرآن كمغترب مقيم"؛ والتي نشرت بمجلة "العالم الإسلامي" الصادرة عن معهد هارتفورد اللاهوتي في عددها الفصلي الرابع لعام 2009. المغترب المقيم يتساءل بودمان: هل يقرأ المسيحيون القرآن كما طلب منهم القرآن نفسه أو كما وصفهم القرآن الكريم؟ معتبرًا أن المسيحيين الذين أخذوا على عاتقهم مهمة دراسة الإسلام والتفاعل مع نصوصه لا يختلفون في حالهم عن حال المهاجر من مكان لآخر؛ فهو مقيم في المكان الجديد لكنه ما زال مغتربا عنه، وهكذا فهؤلاء المسيحيون حين يقرؤون القرآن فهم يحاولون الاقتراب من آياته ومعانيه، لكنهم مع ذلك ظلوا غرباء عنه؛ لأن سياق نزول القرآن يختلف عن واقعهم الذي يعيشونه. ويرى بودمان أن المسيحيين يسعون للغوص في أعماق القرآن، لكن تتنازعهم هويتهم وقناعاتهم المعرفية المستقاة من الإنجيل؛ لذا يدعو المسيحيين لقراءة جديدة للقرآن بروح مختلفة وبعقل متفتح؛ فربما يؤدي ذلك لوضع أساس جديد للحوار الإسلامي-المسيحي.ينتقد بودمان الكتب والدراسات التي تتناول القرآن الكريم دون تفرقة بين قارئ مسيحي أو مسلم، ويندرج تحت ذلك أيضا محاولات تفسير المسلمين للقرآن التي لا تفرق بين مسلم ومسيحي، ويعتبر أن هذا لا يكفي لقراءة القرآن باعتباره كتابا مقدسا ووحيا من الله يستلزم قراءته بمزيد من الجدية والاهتمام، ليس فقط من حيث الألفاظ بل من حيث المعنى والسياق؛ لذا فإن على المسيحيين أن يقرؤوا القرآن في سياقه الإسلامي-وهذا لا يعني ضرورة تحولهم للإسلام- بل يعني الدخول في الفضاء القرآني من أجل فهم ما يقوله الله، أي أن يقرؤوا القرآن بعيون المغترب المقيم. القرآن يرحب بالجميع ويضيف بودمان: إذا كان القرآن هو كلام الله فمن الإنصاف أن نشير إلى أن القرآن نزل بالعربية على عرب الحجاز بواسطة نبي عربي، ولكنه في نفس الوقت نزل للبشرية جمعاء بل نزل حتى للجن، فحتى مع عدم إيماننا به أو اعتباره مرجعا لنا يظل كتابا مقدسا يقيم الحجة علينا على حد قوله.وهناك كثير من المسيحيين الذين يقرؤون القرآن بشكل عرضي ربما بدافع الفضول، وهناك البعض الذين يقرؤونه بوجهة أكاديمية، والبعض الآخر يقرؤه بغرض المجادلة (أي تصيد الأخطاء)، ولكن كل هؤلاء لا يقرؤون القرآن كما ينبغي أن يُقرأ، ولا كما أراد الله لهم أن يفهموه.فالأكاديميون قد يقرؤونه بغرض الإنتاج الفكري أي الكتابة حول ما قرؤوه، بينما غيرهم قد يقرؤونه من أجل التعبير عن أفكارهم الخاصة، أو من أجل تجميع حصيلة معرفية تفيدهم فيما بعد، وهناك القراء الموسميون أو من أطلق عليهم جريفيث مصطلح "القراء الاستهلاكيون".ويؤكد بودمان أن قراءة النص الديني تختلف عن القراءة الاستهلاكية من حيث طريقة القراءة ومن حيث الموقف من النص المقروء، فالنص الديني هو مصدر ثابت وثري في محتواه، ويحمل ألفاظا ومعاني ذات قيمة جمالية، وأيضا هو نص يقرأ بطريقة مختلفة سواء من حيث حفظه كما أنزل أم من حيث تلاوته بخشوع.والقرآن الكريم أوجب قراءته بتلاوة وخشوع "الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ"،كما أنه نزل للبشرية جمعاء باعتبارها أمة واحدة ليحكم بين الناس "وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ"، ووصف القرآن كذلك بأنه لا يمكن الإتيان بمثله، وأنه أحسن الحديث، وأنه آيات بينات، وأنه مصدق لما بين يديه من الكتب السماوية، وأنه واضح مبين، وبالتالي فالقرآن يرحب بجميع القراء، سواء منهم الأكاديميون أو الذين يقرؤونه عرضيا، فهو يصف نفسه ويحدد كذلك الغرض الذي أنزل من أجله.دعوة للتدبر يؤكد بودمان أيضا على أننا يجب أن نتذكر أننا نقرأ نصا مقدسًا يتحدث إلينا ويجعلنا ندور معه في فلك معانيه، وهذا يتطلب منا قراءة متأنية وعميقة، كما أنه يحتاج لإعادة القراءة عدة مرات حتى يتم الوصول للمعنى الصحيح خاصة بالنسبة لأتباع الأديان الأخرى.فكلما قرأنا نصا من مذهب مختلف عنا يجب أن نعي تماما دورنا في القراءة، فمعنى النص لا يتولد فقط من النص نفسه بل من تفاعلنا كقراء مع النص، فالقارئ يصطحب معه أثناء القراءة خبراته وذكرياته وتوقعاته ومرجعياته الخاصة، كل هذا يشكل جانبا من جوانب توليد المعنى؛ بما يؤدي إلى سد الثغرات والفجوات وغموض النص ولو على الأقل بشكل مؤقت.ويضيف بودمان أنه كمسيحي حين يقرأ القرآن فإنه لا يمكنه قراءته بنفس أسلوب المسلم الذي يقرؤه، حيث تتأثر قراءته للقرآن بطريقة قراءته للإنجيل، وهو ما يختلف كليا عن الكيفية التي يقرأ بها المسلم كتابه؛ حيث يتم تقطيع الآيات وتلاوتها بخشوع وتدبر يفتقر إليه هو كمسيحي.ولكن بودمان يؤكد على أنه إذا قرأ القرآن بتدبر وخشوع وتبجيل مع احتفاظه بمرجعيته الدينية فإن ذلك يمكن أن يكون نقطة بداية تفتح الباب للحوار بين الأديان، ويتساءل هل من الممكن أن أكتسب رؤى جديدة حول الإنجيل من خلال قراءة المسلمين الدينية له؟ ويجيب بأنه لو كانت هذه القراءة من قبل المسلمين بنفس التقدير والاحترام فمن الممكن أن يحدث ذلك.هناك أربع طريق مختلفة لقراءة النص - ربما تكون متراتبة - فبداية يتم قراءة النص وتحليل دينامياته الداخلية وسياقه، ثم قراءته في سياق تفسيره الديني وتطبيقه في المجتمع، ثم يتم قراءته في سياقاته المعاصرة وفقا لتصوره وتطبيقه على حد سواء داخل المجتمع، ثم المرحلة الأخيرة بقراءته كنص فعال في السياق العقدي والديني سعيا للفهم الإيماني المتعمق.وإذا قرأنا القرآن بقدر أكبر من الجدية المطلوبة نستطيع الدخول في حوار ديني من دون التخلي عن أي من الطرق الأخرى للقراءة، ولا عن خلفيتنا الدينية التي نصطحبها معنا. ونحن ندرك أن مرجعياتنا الدينية لا تتضمن فقط فهمنا الشخصي، بل أيضا فهم مجتمعنا للدين وذاكرتنا الجماعية، بمعنى أصح نحن نقرأ بمفردنا ولكنا لسنا وحدنا في الحقيقة. النصارى والقرآن القرآن يتوجه أيضا بخطابه الخاص للمسيحيين حين يصفهم بقوله "وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ" فهؤلاء إما قسيسون وإما رهبان، ومن ثم فهم أولا يحبون الذين آمنوا، وثانيا هم قريبو الصلة بالمؤمنين، ثم هم أخيرا ليسوا مستكبرين.وهذا الوصف لا يقتصر فقط على مجموعة محددة من المسيحيين، بل تتسع لجميع من يقولون إنهم نصارى، حيث هويتهم واضحة؛ فهم ليسوا من ضمن الذين آمنوا، وهو الوصف الذي يطلق على المسلمين فقط.وكان رد هؤلاء حين سمعوا القرآن الكريم أن تساقطت الدموع من أعينهم تأثرًا بما عرفوا من الحق الذي كانوا يتوقعونه؛ لذا فقد دعوا أن يجعلهم الله من الشاهدين، ولكنهم على الرغم من ذلك ظلوا على دينهم ولم يتحولوا إلى الإسلام، وصحيح أن المفسرين ذكروا أن سبب نزول الآية خاص بالنجاشي وموقفه مع المسلمين الذي هاجروا إلى أرض الحبشة فرارا من كيد المشركين، كما ذكروا في بعض الروايات أنه قد تحول إلى الإسلام، لكن مع ذلك يرى بودمان أن النص يبقى حكمًا عامًا يشمل جميع المسيحيين الذين أقروا بنزول القرآن حتى أولئك الذين ما زالوا على دينهم.يشترك كل من المسيحيين و"المؤمنين" في أن كلا منهما يؤمن بالحق ويعترف بالقرآن، وكلاهما يؤمن بالله ولديه الرغبة في دخول الجنة؛ وبالتالي لم يكن القرآن غريبا بالنسبة لأولئك المسيحيين، وهم لم يكونوا مغتربين في قراءته؛ ولذا فقد بكوا عند سماعه تأثرا وخشوعا، فهل الأمر نفسه ينطبق على مسيحيي الغرب؟ أو بالأحرى ما توقعات القرآن حول كيفية قراءة المسيحي بشكل عام للقرآن؟.يرى بودمان أن القرآن الكريم يفترض أن المسيحي لديه العلم الكافي ليعرف الحق الذي نزل في القرآن ويتفاعل معه عند تلاوته أو سماعه لدرجة أن تتساقط دموعه عند سماعه، والقراءة بخشوع هي التي تؤدي إلى ذلك، بل أيضا تساعد على فهم العلاقة بين تقديس القرآن من قبل غير المسلمين وبين إخلاصهم لعقيدتهم الأساسية، حيث لا يعني تقديس النصوص بالضرورة الإيمان بها أو التحول عن العقيدة الأم، كما أن تقديس القرآن لا ينكر الاختلافات بين الإسلام والمسيحية. مع سورة الرحمن يبدأ بودمان نفسه إعادة قراءة القرآن بروح متفتحة وقلب واع، ويختار سورة الرحمن ليغوص في معانيها التي يرى أنها تزيد من إيمانه بالله، بل تساهم في توسيع فهمه للإنجيل دون أن يترك دينه، ويركز على المعاني الإيمانية واللطائف الكونية المستمدة من السورة، ويقول إن هذه السورة هي الأقرب إلى قلبه؛ لما تتضمنه من معان ودعوات لفتح القلوب ليست فقط من ناحية روحية بل من ناحية عقلية بالتأمل في كتاب الكون المفتوح.يتوقف بودمان عند معنى كلمة الرحمن والتي لا تعبر فقط عن اسم من أسماء الله بل عن الله ذاته، وأنه وصف نفسه في السورة بالمعلم والخالق، وصفة المعلم سبقت صفة الخالق "علم القرآن، خلق الإنسان" وهذا يبين جزءا من الاختلاف بين صفة الله في العهد القديم عن القرآن، ففي حين هو المعلم والخالق في القرآن فهو الخالق فقط في العهد القديم، بينما المسيح هو المعلم؛ لذا تأتي هذه الآية لتؤكد أن الله هو الذي علم البشرية كل شيء بدءًا من آدم "وعلم آدم الأسماء كلها"، وبالتالي ما يُعلِّمُه المسيح هو امتداد لما تعلمه من الله. أيضا كلمة "البيان" تستوقف بودمان كثيرًا ويرى أنها أشمل في المعنى من كلمة "logos <br>" في التوراة التي تترجم على أنها الكلمة "في البدء كانت الكلمة" فالبيان أعمق وأدل، ثم تتوالى المقارنات والزوجيات في الآيات التالية "الشمس والقمر بحسبان، والنجم والشجر يسجدان..." وكأنها تعبير عن جزء من هذا البيان، حتى تأتي كلمة الثقلين لتدل على شمولية خطاب القرآن الكريم للإنس والجن جميعًا؛ ولذا فإنها دليل على أن القرآن يخاطب المسيحيين أيضا لأنهم من الإنس، ثم يأتي تكرار الآية "فبأي آلاء ربكما تكذبان" إحدى وثلاثين مرة لتخاطب الثقلين وتستنكر تكذيب البعض بآيات القرآن والكون. ويحاول بودمان أن يوسع من فهمه لمعنى كلمة الثقلين؛ ويتساءل لِمَ لا يكون المقصود بضمير المخاطب في كلمة "ربكما" ليس فقط الإنس والجن بل ربما المسلم وغير المسلم؟فكلمة (الثقلين) هذه حتى وإن حملت فقط على معنى الإنس والجن فهي دعوة من الله أن يتناسى الجن والإنس نقاط التباين بينهما ويشتركا معا في قراءة القرآن وتدبر آياته والإيمان بها، أفلا يمكن أن ينسحب ذلك أيضا على المسيحيين والمسلمين؟!، فيقرأ المسيحي القرآن بتدبر وخشوع ويتعلم من معانيه التي تقوي إيمانه بالله وينطلق في حواره مع المسلمين من أرضية مشتركة هي الإيمان بالله وعدم التكذيب بآياته، فخلافاتنا لا تمنحنا الحق في أن نستبعد غيرنا من شمول رحمة الله وفضله لهم، وقراءة المسيحي للقرآن لا توسع فقط من فهمه للإسلام بل أيضا من فهمه للمسيحية، وتجيب عن كثير من الأسئلة المحيرة في المسيحية، ومع ذلك يظل على عقيدته متذكرا أننا جميعا طلاب نسعى لطلب العلم.]]></content:encoded>
						                            <category domain="https://dar-alnajah.com/community/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/">القرآن والسنة</category>                        <dc:creator>محمد نبيل كاظم</dc:creator>
                        <guid isPermaLink="true">https://dar-alnajah.com/community/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b5%d8%a7%d8%b1%d9%89-%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86%d8%9f/</guid>
                    </item>
				                    <item>
                        <title>العلواني: التفاسير الموروثة حاجز لتدبر القرآن</title>
                        <link>https://dar-alnajah.com/community/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%88%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d8%a7%d8%b3%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%b1%d9%88%d8%ab%d8%a9-%d8%ad%d8%a7%d8%ac%d8%b2-%d9%84%d8%aa%d8%af%d8%a8/</link>
                        <pubDate>Wed, 03 Mar 2010 11:01:26 +0000</pubDate>
                        <description><![CDATA[العلواني: التفاسير الموروثة حاجز لتدبر القرآن بدلاوي لخلافة/ 01-03-2010أكد الدكتور طه جابر العلواني، الرئيس السابق للمعهد العالمي للفكر الإسلامي وعضو المجامع الفقهية، أن المسلمين اليوم ليسوا...]]></description>
                        <content:encoded><![CDATA[العلواني: التفاسير الموروثة حاجز لتدبر القرآن بدلاوي لخلافة/ 01-03-2010أكد الدكتور طه جابر العلواني، الرئيس السابق للمعهد العالمي للفكر الإسلامي وعضو المجامع الفقهية، أن المسلمين اليوم ليسوا شهودا على الناس، وذلك بسبب تخلفهم وجهلهم بمقاصد القرآن، التي حررت المسلمين في عهد الصحابة رضوان الله عليهم.وقال العلواني، خلال مشاركته في برنامج "الشريعة والحياة" الأحد 28 فبراير 2010 حول "مقاصد القرآن الكريم"، إن التفاسير الموروثة تشكل حاجزا لتدبر القرآن وتزكية النفس والسلوك بآياته، داعيا إلى إحياء جديد لعلوم الدين لتدبر آيات القرآن واستجلاب التزكية المؤدية للعمران. <br>وأوضح أن مقاصد القرآن الكريم ثلاثة – خلاف ما يرى البعض من كونهم 6 أو 7 أو 8 - وهي: التوحيد والتزكية والعمران، مؤكدا أن العقائد كلما كانت أقل وأدق يكون تمسك الناس بها أشد. <br>فالتوحيد: هو حق الله على خلقه، حيث قرر القرآن أساسيات العقيدة والإيمان بالله تعالى، وقد أثبتها القرآن بدليل العناية والخلق والإبداع، معرجا على أصول الإيمان الخمسة بدون تفريع وهي: الإيمان بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر. <br>أما مقصد التزكية: فهو نظرة التكريم التي تحدث بها القرآن عن الإنسان بجعله حرا مستخلفا في الكون ليحقق غاية الله في الخلق، مستدلا بدعوة موسى عليه السلام، التي جاءت لتحرير بني إسرائيل من استعباد فرعون. <br>وقال العلواني "إن قمة العبادة أن يكون الإنسان حرا كريما وعبدا لله وحده، فالعبادة الحقيقة تجعل الإنسان عبدا لله وحده وتصونه أن يكون عبدا لحاكم أو رئيس أو لشعب"،ا <br>وتابع: اللعبادة حررت وجدان الصحابة وعقولهم وجعلت ربعي بن عامر يقف أمام قيصر الروم معتزا بدينه، بخلاف واقع المسلمين اليوم، الذي انصرف إلى الفقه الشكلي والجزئي دون الغوص في المعاني والحقائق. <br>وأكد أن غياب التزكية كان وراء الانتكاسة التي عرفها التقدم التقني المعاصر بحلول الأزمة المالية العالمية، والتي أكدت أن الغرب يعرف ظاهرا من الحياة الدنيا، مشيرا إلى أن الغربيين لديهم استعداد للتعلم والاستفادة من الإسلام، لكننا نحن الذين "أصبحنا عبئا على الإسلام بجهلنا وتخلفنا، بدلا من أن نكون شهداء على الناس وشركاء في إنقاذ العالم من أزماته". <br>القول الثقيل <br>وشدد العلواني على ضرورة حمل القرآن كما حمله الصحابة وأهل بيت رسول الله باعتباره كتابا كونيا موجها للناس في كل زمان ومكان، وليس بقلوب مهزوزة ومفرغة، فالمسلمون اليوم-بحسبه- في ذيل قائمة الأمم وليسوا شهودا على الناس، والأمم الأخرى هي الشاهدة على المسلمين، بل هي من تعلمهم دينهم وتنصحهم بتجنب قراءة آيات وأحاديث من دينهم !! <br>وللخروج من هذا الحال، يرى العلواني ضرورة إعادة بناء العقل المسلم، والفرد المسلم، والأسرة المسلمة، والأمة المسلمة بتوصيل "القول الثقيل" للعالم. <br>وتابع: الحاجة الآن ماسة إلى مراجعة علوم الدين وإحيائها - كما فعل حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي - وربطها بعلوم التربية والاجتماع لتكون وسيلة تزكية وليست أشكالا وقضايا جامدة لا روح فيها. <br>وفي ما يتعلق بالمقصد القرآني الثالث، وهو العمران، قال العلواني "إن العمران لا يكون إلا بأناس أحرار، فعمارة الأرض وتحقيق الخطط التنموية ومحاربة الفقر والأمية مرتبط بالتزكية، فالفاسد والمرتشي لن يحقق عمرانا أو حياة كريمة للناس". <br>وظيفة القرآن <br>وأشار العلواني إلى أن القرآن المجيد - بوصفه كتابا كونيا يحمل خطابا عالميا للبشرية كلها، أراده الله تعالى خاتما لكتبه وأنزله على خاتم رسله، وضمنه كل ما جاء في صحف إبراهيم والزبور والتوراة والإنجيل - له وظائف أساسية – أي القرآن الكريم - وهي إعانة الإنسان على: <br>·تحقيق العهد الإلهي "واذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم، قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين" <br>·أداء مهمة الاستخلاف "إني جاعل في الأرض خليفة" <br>·أداء الأمانة والنجاح في اختبار الابتلاء والعودة إلى الجنة التي أخرج الشيطان أبويه منها <br>·التغلب على الشيطان <br>ونبه العلواني إلى أسماء وصفات القرآن الكريم كما جاءت في الكتاب نفسه مشيرا إلى دلالاتها التي تحيل إلى معاني الهدى والنور والشفاء والبصائر والرحمة وتشريع الخير في الدنيا والآخرة . <br>وأضاف أن القرآن المجيد ليس كتابا زمنيا أو تاريخانيا مقيدا بفترة معينة بل هو كتاب كل زمان وكل مكان وكل إنسان، وهو المحجة البيضاء، التي لا يزيغ عنها إلا هالك. <br>وشدد العلواني على ضرورة تحصيل 3 قراءات في الحياة لتحقيق العبودية الخالصة لله تعالى، وهي: <br>- قراءة القرآن العظيم عن طريق التدبر <br>- قراءة البشر، الذي هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لتزكية النفس والسلوك. <br>- قراءة الكون ليكون هاديا لنا لبناء العمران. <br>وقال إن منهج الرسول الكريم عليه السلام يفسر القرآن عمليا، إذ كان خلقه القرآن، مضيفا أن النبي كان يشرح 10 آيات للصحابة للوصول إلى التلقي والاتباع، فكانوا يتعلمون العلم والعمل، النظرية والتطبيق، مما جعل القرآن قائدا للإنسان في شؤونه وشجونه، والحاكم على كل تصرفاته ونظمه وقيم حياته. <br>ويستدرك العلواني: لكننا لم نتبع منهج رسول الله، بل اتبعنا منهج من قبلنا فجعلنا القرآن للتبرك من غير تدبر، وصدق على حالنا ما وصف به القرآن من قبلنا بأنهم "كمثل الحمار يحمل أسفارا" <br>وفي رده على دعوة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، قال العلواني إ"ن المطلوب أن يكون القرآن الكريم هو المصدق والمهيمن، وليس إسقاط حقائق العصر عليه" .]]></content:encoded>
						                            <category domain="https://dar-alnajah.com/community/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/">القرآن والسنة</category>                        <dc:creator>محمد نبيل كاظم</dc:creator>
                        <guid isPermaLink="true">https://dar-alnajah.com/community/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%88%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d8%a7%d8%b3%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%b1%d9%88%d8%ab%d8%a9-%d8%ad%d8%a7%d8%ac%d8%b2-%d9%84%d8%aa%d8%af%d8%a8/</guid>
                    </item>
							        </channel>
        </rss>
		