قال المؤرخ "ويل ديورنت": أعظم قضية في زماننا: " إن كان بإمكان الإنسان أن يحيا من دون الله".
إذا كانت بنية الوجود الكوني الكبرى هي: الإيمان بالله ورسالته للإنسان المكرم، والتناسق الوجودي المحكم الدال على التفسير الواضح البين لكل ما في وجودنا ووجود العالم بأسره، فإن توافق العقل والقلب معاً للإيمان بهذه الحقيقة المطلقة، هي السبيل الوحيد للسعادة والسلام.
إن سؤال المبدأ والغاية: من أين جئنا؟ وإلى أين المصير، جوابه الصحيح هو الموصل إلى حقائق الكون والوجود بأسره، والغفلة عن تناقضات فهم الإلحاد وادعائه، هو الذي يهدم عقيدة الإلحاد، ويجعل عقيدة الإيمان هي الوحيدة المعبرة عن ذاتها وتماسكها في العقل والضمير والوجدان والسلوك، بينما جمهور الملحدين يقنعون بالعناوين والشعارات التشككية فقط، فيدللون على صحة الإيمان من حيث يظنون أنهم يبرهنون على الإلحاد فيهدموه فكراً وشعوراً وسلوكاً حين تختلط تناقضات هذه الجوانب من إلحادهم.
إشكال في مبتدأ النظر:
عامة الملحدين الكبار يقررون عدم الإيمان بالله، لا أنهم يؤمنون بعدم وجوده، لأن موقفهم الأول سلبي من القضية الوجودية، بينما موقفهم الثاني إيجابي المبتدأ من الإنكار وهذا لا دليل عليه، لأن الإلحاد إنكار وجحود ظني، ولا دليل يقيني عليه، لأن اليقين هو من سمات الإيمان، والإلحاد مجرد شك وظن وجحود، وتصوراتهم عن وجودهم والكينونة متناقضة متنافرة لا تناسق بينها، ولهذا أدرك كبار الملاحدة وفلاسفتهم، أن الإلحاد الصرف لا وجود له، لأن له لوازم يفتقدها الملحدون، وهذا ما صرح به: "شوبنهاور" + و "نيتشة" + و" سارتر" وصرح هذا الأخير بقوله: " تختفي باختفاء الله إمكانية إيجاد قيم في سماء واضحة"، وهذا ما يكذبه الواقع الإنساني، لأن مقتضى ذلك أن العشوائية والمادية الصرفة فيها هي التي تحكم الكون، وهذا غير صحيح عقلاً وشعوراً، حتى عند الملحد الذي يحتكم إلى النسقية والمطالبة بالحقوق، والدفاع عن قيمه وممتلكاته الخاصة، ولهذا طبع الفكر الإلحادي ثقافته على النسبية واللاأدرية في المعرفة، والفلسفة، والأخلاق، والغائية، فلم يتبقى من النظم العقلية والقوانين السلوكية لاستقرار الحياة شيء، ولهذا يقرر " برتراند رسل": أن الإنسان نتاج أسباب ليست لها بصيرة بالنهاية التي نسعى لها".
الملحد ذلك الكائن العنقائي:
لا سبيل للملحد غير سبيل العدمية، ولهذا صرح " نيتشه": بأن الحقيقة لا وجود لها، وهي مجرد سراب ووهم في النهاية، والإلحاد لا يعاش، وإنما الحياة استمتاع لا غاية له، ولهذا كان الإلحاد ليس فرضية فاشلة مضطربة، بل هو فرضية مستحيلة.
ولكنك تبالغ:
الملاحدة الذين تذكرهم في اعتراضك، فيهم طيبة وخير لا لأنّهم ملاحدة، وإنَّما هم كذلك بالرّغم أنّهم ملاحدة، بسبب إنسانيتهم، فهُم يخونون إلحادهم لأنَّهم يسرقون من رصيد الفِطْرة الأولى الخَيِّرة والثَّقافة الدِّينية السَّائدة في بيئتهم. ولهذا ستبقى لوازم الإلحاد تطارد الملحد إذا أراد أن يكون وفياً لمستلزمات إلحاده، ولن يصل بها إلى نهاية مقنعة، ولا إلى حجة واضحة، لأنه لا يتفق ملحدان على تصور واحد للإلحاد والوجود الكوني، ولهذا فإن الإلحاد بدل أن يقدم الأدلة على الوجود من غير إله ولا قيم، فإنه يقدم أبشع صور الحياة السلوكية الناتجة عن الفكر الإلحادي، والتي تعارضها قوانين الدول والحكومات الإلحادية مما يبطل مصداقية الزعم بالفكر الإلحادي، حتى لدى الدول التي كانت تدرس الإلحاد في مدارسها، [حين غيرت قوانين المشاعية الجنسية وحدت منها]، (لدى الاتحاد السوفييتي البلشفي).
الإنسان.. ذلك الحيوان:
يقول الملحد "ستيف ويليامز": تتناقض نظرية التطور مع فكرة تقسيم سكان الأرض إلى بشر وحيوانات". بينما اختار الله تعالى الإنسان من بين جميع مخلوقاته ليكون مكرماً وعاقلاً ومميزاً بملكاته التكريمية من خالقه سبحانه، قال تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ4) سورة التين، وقوله: (الرَّحْمَنُ * عَلَمَ الْقُرْءَانَ * خَلَقَ الإنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} (الرَّحمن: 1-4) وسخر له موجودات الأرض كلها ليقوم بواجب عبادة خالقه وطاعته.
الإلحاد يرد الإنسان إلى البهيمية المتوحشة:
حيث الغى الفوارق بين الأنس والتوحش، وبين الخير والشر، وبين الحق والعدل والباطل والظلم، لأنه ليس لديه سلم قيم أخلاقية، كما هو الحيوان، ولا تفاضل بينه وبين أشياء الطبيعة من حجر وشجر، لأن الحيوان المستهلك، والإنسان المستضعف سيان لدى الملاحدة، لأن القوة (الحيوانية) هي الحكم وليس القيم، ولهذا يعتبر كل البشر لدى المخلوقات الأخرى نازيون، ولهذا تعتبر جميع العلوم الطبيعية والإنسانية لدى الملاحدة إنما هي فروع عن علوم الحيوان والبيطرة، حتى انهم أباحوا إمكانية اعتبار بعض الناس (المجانين) حيوانات يمكن استخدامها للتجارب والغذاء، ودارون لم يلحد، لكن أتباع الداروينية والمؤمنين بها ملحدون، لأن خلافها هو الإيمان بمعجزة الخلق.
لقد مهدت أفكار الداروينية لفكرة القتل الرحيم، والأمر في الحقيقة أكبر من قتل من يَطْلُبُ قَتْلَهُ ليرتاح من الأمراض؛ فإنَّ إلغاء قيمة فُرادة الإنسان تَرْفَع التَّثريب عن الإنسان أن يقتل إنسانًا آخرًا ليُحقِّق بقاءه هو، وقد كان داروين مُدركًا لذلك؛ وهو ما دفعه إلى أن يتنبَّأ أنَّه في المُستقبل غير البعيد، سيعمل العِرْقُ البشري المُتحضِّر على إبادة الأعراق الهَمَجِيَّة، وخَصَّ الأمر بإبادة الأعراق القُوقَازِيَّة للأتراك (المُسلمين) الجوعى.
ولهذا قرر الدكتور " إريك بيكانا" في محاضرة سنة 2006م في جامعة تكساس، قائلاً: نحتاج إلى إبادة 90% مِن البشر؛ لأنَّ موارد الأرض لا تكفي إلَّا 10% منهم، واقترح لإنجاح المجزرة نشر فيروس إيبولا في الجوّ؛ فهو قاتلٌ ويُؤدِّي مُهمّته في أيَّامٍ قلائل، ومِن لَوَازِم القولِ بِحَيْوَنَةِ الإنسان، النَّظَرُ إلى الإنسان أنَّه كَمٌّ مِن اللَّحْمِ والعَظم والأعصاب، ويمكن تحسين نسله كما يحسن نسل الحيوان، وكتب داروين سنة 1838 -قبل زواجه بسنة- إنَّ المرأة «شيءٌ يُحَبُّ ويُلْعَبُ معه، وَهُوَ أفضل مِن كَلْبٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ»، ولدى هؤلاء فإن غربالِ الانتخاب الطَّبيعيّ، يسقط المريض والفقير والطِّفل والمرأة، ولا يبقى غيرُ نابِ القُوَّةِ الأَزْرِقِ، وهذا يجعل الغرب الملحد ليس كافراً بالله وإنما كافر بالإنسان كذلك، فيعلن موت الإله، وموت الإنسان المميز عن الطبيعة.
الداروينية الاجتماعية ولغة الغاب:
"هيوم" + "وجرمي" + "ونيتشة" + و "كفوكو" من مفكري ما بعد الحداثة، تبنوا ما أسقطه داروين من فضيلة للإنسان بأبحاثه في نظرية التطور، ولام المفكر الملحد "ويليامز" البشر والإنسان والملاحدة الذين يقتلون الحيوان ويأكلوه، كأنما هم مميزون عنه، مع الحصيلة أن الكل حيوانات في النهاية، ويؤكد الفيلسوف "هربرت سبنسر" أن ما يحث من قتل وجرائم وحروب هو تطهير للمجتمع من الضعف والضعفاء، وأخذت النازية ببعض أفكاره تلك في قتل المرضى النفسيين والمعاقين، كما أن تاريخ الدول الإلحادية كالاتحاد السوفييتي، وكوريا الشمالية، وكمبوديا، والصين، مطرد في ارتكاب أعظم المجازر المروعة في حق الإنسان، وبعض حوادث الإجرام والمجازر فعلها شباب وهم يعبرون عن فعلتهم بأنها تطبيق للانتخاب الطبيعي، والتخلص من الأشرار، وربما كانت الجرائم العنصرية والإبادات الجماعية مظهر لهذه النظريات غير الإنسانية.
العقل على مذبح الإلحاد:
النظرية التي تفسر كل شيء، وتعجز عن تصور وجود التفكير السليم في عقولنا، لا مجال لتصديقها"، "سي. أس. لويس".
الإسلام والعقل:
العقل في الإسلام أصل التشريف والتكريم والتكليف والتقييم والمدح أو الذم، وهذا ما رفعه فوق مرتبة البهائم، وبه يقود غرائزه ويضبط اندفاعها، وبه يميز بين الحق والباطل، والخير والشر، ويستخدمه لتحقيق غايات حياته والغرض من وجوده، بينما الملاحدة يؤسسون بمنهجية مادية صرفة مختلقة لإنكار وجود الإله، بينما تمثل عمليات العقل؛ النظر الإدراكي لفهم الوقائع والحقائق، سواء عن طريق العقل، أو القلب، أو الناصية، أو الفؤاد، وأجزاء الدماغ.
عقل البهيمة صنعة الطبيعة:
الملحد يرى أن عقله يدله على الإلحاد، وأن لا إله في الوجود، وأن الحقيقة صناعة بيولوجية، وليست كشفاً لواقع خارج الذهن، وأن التطور الدماغي يغير الحقائق باستمرار، واعترف " توماس ناجل قائلاً: "لا سبب للثقة بنتائج الرياضيات والعلوم، طالما أنها تعتمد على الفرضيات الناتجة عن العقل، وهذا بحد ذاته مقوض للنتائج التي يتوصل إليها به"، وقال نبي الإلحاد " داوكنز" [استغفر الله]: " نحن كائنات متطورة عن القردة، وصممت أدمغتنا لفهم كيفية البقاء على قيد الحياة"، ويقول: "دونالد هوفمان": إن وعينا بالواقع زائف، لأن التطور عمل على إخفاء كثير من الحقائق غير الضرورية لوجودنا"، ولهذا فإن العقل عند الملحد لا مصداقية له.
الدماغ .. الآلة الصماء:
لا شيء في الوجود والكون سوى الذرة والذرات، وهذا لا يفسر لحظة الانفجار العظيم ما كان قبله، ولا ما كان بعده، إذا كان لا شيء سوى الذرة والذرات الدماغية لفهم العالم والتكيف مع البقاء، فمن أين تكون وعي الذرات الدماغية فينا، مغايراً عن باقي ذرات العالم وموجوداته العمياء، فانقسم العالم إلى وعي وعدم وعي، مع أن الأصل واحد، ذرات في ذرات، لا وعي ولا واعي، لا خالق، ولا مخلوق، إنما هي الطبيعة والتطور، ينكر الملحدون عامة وجود عقل واعي، إنما هو عندهم؛ نشاط ذهني للقيام بوظائف لا هدف لها في الحقيقة، سوى المحافظة على البقاء إلى أمد ينتهي به بعدها كل شيء، فيرجع بعدها التراب تراب، والذرات ذرات، نشاطي الذهني في ذراته، لا يعني أن معتقداتي وتصوراتي صحيحة، ولهذا أعلن "روزنبرج" فشل محاولة إثبات أن أدمغتنا قادرة على التفكير والوصول به إلى حقيقة ما في الكون، سأل "بول كوبان": "داوكنز" عقب محاضرته الإلحادية سنة 2011م : إذا كانت عقولنا مؤمنين وملحدين أسيرة الفيزياء والكيمياء العمياء، فلماذا نثق بأن العقلاني والعلماني يتفوق على المؤمن والخرافي؟ فأجابه: " بالفاعلية" مع أن فاعلية الكمبيوتر أعلى مستوى من فاعلية مبرمجه، وهو مفتقد للإرادة الحرة للتفكير، تصور العقل ذرات وكيمياء مادية يمنعنا من تصديق مزاعمه ونتائجه، بنفي الحكمة عن مقدماته ونتائجه معاً، فلا ينتج عنها غير العشوائية والمتناقضات، ولو بدت بصور منطقية حسب إسقاطاتنا عليها، فالإلحاد أيسر الفرضيات العلمانية نقضاً وهدماً.
حرية إرادة..وهم الآلات:
نحن مساقون سوقاً إلى مصيرنا، ولا إرادة ولا انفكاك من هذا المصير، حسب التفكير الإلحادي الطبيعي.
الإرادة الحرة في الإسلام:
يفسرها التعريف بالإنسان: "هو كائن حر بإرادته في الاختيار بين الممكنات، عن وعي وإدراك بعقله لأفعال
خارج سلطان الجبر المادي، وهو يختار بإرادته الإيمان أو الكفر، وأثبت الله في القرآن – حسب ابن تيمية – مشيئة الإنسان، وإرادته الفعل من عدمه.
الإلحاد..ألَّا تختار خيارك:
الإنسان وجود مادي تحركه الطبيعة دون إرادة، ويقول "جيمس هلمان": أنا أعيش شيفرتي الوراثية من آبائي وأجدادي والظروف، عبر الخلايا العصبية وأجزائها، ويقول "ويليام بروفين": إرادتنا الحرة بصورتها التقليدية لا وجود لها، ويقول "ألكسندر روزنبرج" إن عقلنا يغتال حريتنا، فينتج أعمالنا دون تصاميم مسبقة منا، لأن سلوكنا محكوم بقوانين فيزيائية، تنفذها آلات بيولوجية، فالإرادة الحرة مجرد وهم حسب "ستيفن ماوكنج"، وينسب تفسير وجودنا وتطورنا "ألفرد متر" إلى تتابع أثر الانفجار الكبير بعد حدوثه، بتداعٍ قهري يلغي فكرة الإرادة والحرية.
الاستنارة المظلمة وسيادة الوهم:
عند الملحدين، لأنهم يقرون بأن الاختيار مجرد وهم، ومع ذلك هم يتبعون هذا الوهم، ويعتبرون اختياره إقرار بالخرافة، إذا وصموه بحرية أو مسار ينافي آلية الطبيعة والجبرية، وأنه يمكنهم الجمع بينهما، حين يتعاملون مع أبنائهم كآلات ريبوت، وأشياء تولد العواطف، فيجتمع لهم بذلك الجبر والاختيار معاً، ويقرون بأن الإنسان ريبوت مصمم لنفي الريبوتية عنه، وهذا محصلة اللاأدرية في الفلسفية الوجودية العلمانية.
ما المخرج الإلحادي؟:
الإلحاد هو التعايش مع التناقض بأننا أحرار وغير أحرار بآن واحد، وبديل كلمة الحب عند الملحد، أنني أنجذب إليك، أو ما شابهها، ولهذا [رفض ساتر كلمة زوجتي وقال عنها عشيقتي]، لأن كلمة زوجتي فيها قيم أخلاقية تمنع الحرية الجنسية]، وأكد باحثان أمريكيان نتائج خطيرة للإيمان بالجبرية من الكذب والخيانة، وبين أحدهم "جري كوين": أن فضيلة الإلحاد وإنكار الإرادة الحرة، الخلاص من عذاب الضمير فيما نقوم به من أفعال أنانية، لأن تصرفاتنا بضعة من كياننا الفسيولوجي، بلا غاية، ولا معنى.
الحياة في الإسلام:
الحياة هبة من الله وامتحان جزاء من ينجح فيه الجنة، ومن يخسر فيه النار، ووظيفة الإنسان في الأرض الخلافة وتحمل مسؤولية شكر النعم بإعمار الأرض، والكفر بها فساد ودمار وإفساد، يعاقب عليه، ولا معنى للحياة عند الملحدين، وفلسفة الإلحاد قائمة على العدمية والعشوائية في كل شيء.
الإلحاد ينكر أن يكون للحياة معنى:
الإلحاد يجحد مرجعية الخالق والوحي، ليجعلها مرجعية المادة والطبيعة، لصالح العشوائية والعدمية، مما أورث أمراضاً عصابية للناس بفقد معنى الحياة وغرضها، ونبه إلى ذلك عالم النفس "فيكتور فرانكل": " بنظريته عن العلاج بالمعنى" وكان من سجناء النازية، وأدرك وهو في سجنه، أن من لديه معنى لحياته، لا تهزمه الشدائد، وأن غرف الغاز نتيجة الفكر المادي في فلسفة الحياة، واعتبر "البير كامو": أن الإجابة عن سؤال من نحن؟ هو أكثر الأسئلة العاجلة التي تتطلب جواباً، وأن أخطر مشكلة فلسفية في حياتنا، هي الحكم على حياتنا إذا كانت تستحق أن تُعاش، أم لا، يقول الفيزيائي الملحد "شون كارول": نحن البشر لطخ من الطين تطور ليعبر عن أفكار غير إرادية لا تتجاوز عالمنا" فحياتنا بلا معنى، ولا غاية، ولا قيمة، سوى الكم الصفري في النهاية، وما نقيِّمه لا حقيقة له.
خلاصة فهم فلسفة الحياة:
هي أن الحياة ليست بحثاً عن المتعة كما يعتقد "فرويد"، لأنه يقول في أبحاثه: "اللحظة التي يتساءل فيها المرء عن معنى الحياة وقيمتها، هي إعلان لمرضه، لأنه من الناحية الموضوعية، لا وجود لأي منهما في الواقع. وليست الحياة تعبيراً عن القوة وبحثاً عن السلطة، كما يزعم "ألفريد أدلر" لأن أصغر حيوان وأكبر فيه هذا نتيجة تطورية للنمو والتحور، لا مضمون لها سوى ذلك، بينما يجد "فكتور فرانكل" أن البحث عن معنى الحياة يبدأ بمرحلة الرشد والبلوغ لدى الإنسان، ورقيه وصبره وثباته مرتبط بأهمية المعنى الذي يبحث عنه أو يجده، وهذا ينفي نتائج زميليه في علم النفس ودراساتهما وهما: (فرويد + وأدلر)، وهذا المعنى هو المتوافق مع نظرية الإيمان والاعتقاد بغرض الحياة والهدف منها، كما تذكره الأديان السماوية، فالرؤية الإلحادية لا تعرف غاية عليا للحياة، ولهذا ناشر كتاب الملحد "داوكنز" سأله كيف تستطيع النوم إذا كنت لا ترى في الحياة معنى ولا هدف؟.
من معنى الحياة؛ إلى معنى في الحياة:
الملاحدة يقولون بأنه لا معنى للحياة، ولكن يمكننا أن نجعل فيها معنى نختاره حتى نستمتع بها، وبذلك نجعل لحياتنا قيمة من خلال أهدافنا فيها، وهي أهداف مؤقتة زائلة، ولو في الاستمتاع بالهروين المدمر، مع أن حقيقة هذا السلوك هو هروب من فراغ الحياة التي لا معنى لها عند الملحد، فيختار لنفسه فيها معانٍ يظن أنها تسعده والحقيقة هي أنها تزيد في تعاسته، التي قد تصل بها إلى الانتحار أو حافة الانتحار، مع أن أغلب المعاني التي يسعى وراءها الملحد ويصنع لها طريقه إليها هي استجابات حيوانية لشهواته، وغرائزه، في جوعة الفرج، وجوعة البطن، وجوعة التسلط والسلطة، وهذا ما يدعو إليه فلاسفة الإلحاد، بحيث لا تتجاوز اهتماماتهم هذا الإطار الدوني، ولهذا كان فيلسوفهم الألماني "شوبنهاور" متشائماً إلى حد القول: "أن الحياة جحيم لا تعقبه جنة"، و"نيتشه" يسير في نفس طريق صاحبه السابق حينما يقول: "لا معنى للحياة، ولا قيمة، ولا غاية، لأننا: "قتلنا الإله وتخلصنا من فكرة وجوده"، بل أغرق في إنكار وجود حقائق في الحياة، لقوله: "كل اعتقاد أو تفكير هو بالضرورة غير صحيح، لأنه لا يوجد عالم حقيقي في حياتنا"، وأننا تتعاورنا دورات الموت والحياة المتعاقبة الدائمة، وهذا من خرافات الثقافات الشرقية الهندوكية في التقمص، فأصبحت الخرافة ملاذ الملحدين، وقريب من هؤلاء "سارتر" الملحد الوجودي الأول للقرن العشرين، يقول: "الوجود يسبق الماهية" وحقيقتنا الإنسانية من صنعنا ونتيجة للحظة وعينا غير السعيدة؛ دون إمكان تجاوز حالة البؤس في وجودنا التعيس، ومع إلحاده أقر بأنه لا يمكنه أن ينغمس في القيم الأخلاقية دون الإقرار بالتمايز بين الخير والشر، وهذا هو أساس وجود الله والبرهان على وجوده، واختصر الوجودي الثاني "كامو" معنى الحياة بوهم ما سماه سعادة المكابدة، التي لا راحة بعدها ولا جائزة، ومثله تقول: "سيمون دو بوفوار" أن كل متع الحياة التي مررت بها آلت إلى لا شيء وأني كنت مخدوعة بها.
برتراند راسل: الإنسان نتيجة لأسباب ليست لها بصيرة بالنهاية، في عالم نهايته أنه كون محطم خرب، ولهذا يقول: "إن لم تفترض وجود إله، فلا معنى للسؤال عن معنى الحياة"،
طريق النجاة عند مفكري الإلحاد:
انقسم إلى اتجاهين، فريق منهم صدق في وصف مأساة الملحدين، بأنه لا خلاص، من بقاء شكوكنا ومخاوفنا، المؤدية بنا إلى الهاوية واليأس، وفريق آخر أقر بالمأساة وحاول تجاوزها بقيم النضال من أجل الحرية، والعدل والشجاعة، والمجد، والتقدم، فانغمسوا بالتناقضات، وهربوا إلى تقليد البهائم، بطلب اللذة المادية، والمتع الحسية، والأنس بحياة القطيع، ولا معنى لأي ضوابط أو قيم أخلاقية، سوى ما اخترعوه واختاروه وسموه حرية.
الإلحاد.. ووهم الأخلاق:
يقول الفيلسوف: "يوفال نوح هراري" لا حقوق إنسان، ولا قوانين عادلة، خارج الخيال الجمعي القطيعي للبشر"
الأخلاق في الإسلام:
المسلم يعتقد أن الحياة ليست عبثية، بل منظومة من الضوابط والقيم والنظم والسلوك وضعها خالق الإنسان لإسعاده في دنياه، ومكافأته في أخراه، ولهذا كان حسن الخلق أساس البر والفلاح والأمن والسلام والسعادة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق" (ر. أبو داود).
وحسن الخلق ليس مقصوراً على المسلم فحسب، بل هو فطرة في غالب البشر، حتى عند غير المسلمين، وكل الشرائع السماوية وغيرها تدعو إلى الأخلاق، عدا الفلسفة العلمانية والإلحادية تناور بها وتنكر وجوبها، وذكر "ابن القيم" أن غاية العقل أن يدرك حسن الأفعال أو قبحها إجمالاً لا تفصيلاً، لأن العقل غير معصوم أولاً، ثم أنه غير كامل القدرات على الحكم المحكم، فيحتاج من الشرع أن يهديه إلى تفصيل ما يجب وما يمتنع ويحرم، بحسن الأحوال والأزمان، وهذه مهام الشرائع، فمن الحسن ما هو فطري ظاهر، ومن القبح ما هو كذلك، وعدا هذا يكون فيها غموض يأتي الشرع والشارع فيبينها للناس.
الأخلاق.. ذلك الوهم:
تقول الداروينية أن الأخلاقيات وهم من أجل التكيف الاجتماعي، ومع هذا أعرب "سارتر" عن أسفه من أن إمكانية العثور على قيم أخلاقية تختفي في حال اعتبرنا أن الله غير موجود"، ويعترف الفيلسوف الملحد "ج.ل. ماكي" أن تشكل مجموعة من الخصائص والعلاقات لا يمكن أن توجد إلا في كون له إله" ويعبر الفيلسوف الملحد "الكسندر روزنبرج" عن القول بالعدمية التي تعتبر أن جميع الأفعال الأخلاقية تستند إلى افتراضات خاطئة، كما أدرك "دارون" قائلاً: "المرء الذي لا يملك إيمان مؤكد بوجود إله، أو يوم آخر للعطاء أو للقصاص، لا يمكنه سوى متابعة غرائزه لأنها لا حدود قيمية لها.
الإنسان .. ذنب لأخيه الإنسان:
أرسل أستاذ داروين في جامعة كمبردج إلى تلميذه "دارون" قائلاً: "فقرات في كتابك أصل الأنواع، صدمت ذوقي الأخلاقي، (الميتافيزيقي) الطبيعي، ومن أنكره وقع في قاع مستنقع الحماقة في رأيي، سيهوي بالجنس البشري إلى درجة متدهورة لا مثيل لها في تاريخ الإنسان المكتوب"، وهذا ما تلقفه "هتلر" في كتابه كفاحي، وأن الأعراق والناس غير متساويين في إنسانيتهم، ويمكن التخلص من غير الضروري منهم من الدرجات الأدنى والمرضى الميؤوس منهم، وقال "جون لوك" في رسالته عن التسامح: "الوعود والعهود والأيمان، التي هي روابط المجتمع البشري، لا يمكن أن تكون ملزمة للملحد.
الإلحاد.. ووهم الجمال:
قال اللاهوتي " إدوارد فارلي" : عندما يموت الإله، يموت الجمال"،
الجمال في الإسلام:
الجمال في الشريعة يشمل كل الأحوال، حتى التي يكون تصنيفها في دائرة القبح والقبيح، لكن ينبغي ان تكون الأفعال الاضطرارية في قالب جمالي، وهذا ما ذكره القرآن بقوله: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: 10]، وقال تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: 49]، وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: 5] بينما الألحاد لا يرى في شيء من الحياة والطبيعة والإنسان جميلاً، لأن العالم مجرد ذرات وخلايا وكيمياء، لأن الملحدين حين أنكروا القيم الأخلاقية، تبعها إنكار القيم الجمالية بالضرورة الفكرية المنحوتة من صخور جبال أوهامهم، وقال "هيوم" : نحن نخترع الجمال في عقولنا، ولا حقيقة خارجية له، وهو نسبي بحسب العقول المدركة.
قصدنا بموضوعية الجمال:
أنه أمر موضوعي في الطبيعة، مصمم على صورة تثير الإحساس بالاستمتاع والشعور بالبهجة، إلا إذا حال حائل بين هذا والشيء بشكل عارض، والانجذاب الممتع له دلالات التناسق والراحة النفسية الدال على قيمة هذا الجمال ومغايرته للقبح المنفر في الوضعيات المعاكسة للتناسق واللطف والرقي في الشيء الجميل، عند البشر الأسوياء، وهذا يزيد في قيمة الوجود المدرك من حياتنا والطبيعة، ولهذا قال الفيزيائي "هنري يوانكاري: " العالِم يدرس الطبيعة لأنه يستمتع بجمالها، حتى في عمق تناسقها الذي يدركه الذكي حين يرصده"، يقول "توماس ويليامز": إن الثقل القمعي لفلسفة اللامعنى أساء إلى الفن والجمال، وقلص الألوان الزاهية لدى بعض الفنانين، لأنهم نظروا إليه من خلال التصور العدمي الظلامي النهائي، فعكس فنهم اليأس بأبعاده الشكية اللاأدرية، وعبر "دارون" عن جمالية الطاووس بألوانه الزاهية التي قاومت عوامل الانتخاب والتطور، على رغم طمع الكواسر في لحومها، تقول أستاذة علم الجمال "نانسي إنكوف": حب الجمال جذوره عميقة في بيولوجيتنا"، ولما أعجبت ابنة الملحد " داوكنز" ذات الست سنوات في إحدى رحلاته البرية الجبلية بجمال الزهور؛ سألها لماذا هي جميلة أجابت ببراءة: " حتى يكون العالم جميلاً، ويرغب النحل في صنع العسل لنا، فقال: لقد تأثرت بقولها، وأسفت أن أخبرها أن الأمر ليس كذلك".
وهم الجمال الفيزيائي:
يقول "أنشتاين": النظريات الفيزيائية الوحيدة التي نحن على استعداد لقبولها هي النظريات الجميلة، ويقول الفيزيائي الملحد " ستيفن واينبرغ" : علي أن اعترف أن الطبيعة أحياناً أجمل مما هو ضروري بحت"، وحقيقة الجمال أعظم من مجرد تجسده في خارج ذواتنا، إذ الأعظم منه هو الجمال القلبي لمشاعر الحب التي نشعر بها تجاه الآخرين وسلوكياتهم، إلى درجة أنه يصعب وصفه لما نشعر به من متعة عظيمة، ويميل 41% من فلاسفة الغرب إلى واقعية وجود الجمال في العالم والحياة، وهذا ما ينكره أو يعترف به كثير من الملاحدة، حتى يصوروا لنا العالم بأنه مخيف مظلم جاف لا جمال فيه ولا عدل ولا إحسان، لأنهم وهميون في كل شيء ولا أدريون.
كلمات في الختام:
قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (طه: 124)، والإنسان أجمل ما خلق الله تعالى، وصفاته وسلوكياته إذا كانت على هدي الله ومنهجه، تعبر عن أعظم جمال في الكون يستحق عليه يوم القيامة جنة عرضها السموات والأرض، ولهذا يعبر عن العدمية والظلامية الفيلسوف الملحد "ألكسندر روزنبرج" : بإنكار وجود إله – وأن الواقع مجرد فيزياء – لا غاية للكون – ولا معنى للحياة – وجودنا مصادفة - إنكار عالم الروح - وإنكار وجود الإرادة الحرة - ولا وجود حقيقي للفرق بين الخير والشر - والخطأ والصواب سيان – وكل شيء من التصرفات المباحة والممنوعة جائز – قتل، انتحار، إجهاض، استعمار، حروب، ...الخ.
الإلحاد المستحيل:
أصول الإلحاد لا يلتزمها الملحد في فكره ولا في سلوكه، ولهذا يعتبر الإلحاد وهم وثرثرة، وفوضى غير ملزمة، ولو طبقنا مستلزمات الإلحاد على ملحد لأنكرها علينا وقاومها بشدة، لأنه يرى عملياً أن من حقه الحياة وتطبيق قوانين الفطرة عليه وعلى الناس، فما ينكره بلسانه، يقاومه بلسانه ويده، فالإلحاد فكر مستحيل التصور ومستحيل التطبيق، والحمد لله على نعمة الإيمان والإسلام، والحمد لله رب العالمين.
انتهى تلخيصه بتاريخ 1/9/2026م

